الأربعاء 07/أكتوبر/2026 - 08:43 ص
أولويات أوروبية وتحديات متوسطية على طاولة قادة دول جنوب الاتحاد الأوروبي «ميد 9» المجتمعين اليوم /الأربعاء/ في مدينة سبليت الكرواتية، في قمة تتركز محاورها حول الموازنة الأوروبية المقبلة وأمن الطاقة والهجرة والقدرة التنافسية، وتمتد إلى التطورات في الشرق الأوسط وتداعياتها على أمن واستقرار المنطقة وأوروبا.
وتجمع القمة الثالثة عشرة لمجموعة «ميد 9» قادة كرواتيا وقبرص وإسبانيا وفرنسا واليونان وإيطاليا ومالطا والبرتغال وسلوفينيا، بحضور رئيسة المفوضية الأوروبية ورئيس المجلس الأوروبي، في إطار تنسيق المواقف بشأن القضايا المطروحة على جدول أعمال المجلس الأوروبي المقرر عقده في بروكسل الأسبوع المقبل، ومنها دعم أوكرانيا وتوسيع الاتحاد.
وفي هذا السياق، يدخل الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون القمة ساعيًا إلى حشد شركائه المتوسطيين حول أولويات بلاده، وفي مقدمتها الإطار المالي متعدد السنوات والقدرة التنافسية والطاقة والهجرة، إلى جانب القضايا الأمنية والاستراتيجية التي تمس المنطقة بأكملها.
وفي ملف الموازنة، تدافع فرنسا عن توفير موارد ذاتية جديدة للاتحاد الأوروبي، بمستوى كافٍ وعلى الأقل بمستوى ما اقترحته المفوضية، لتمويل السياسات التقليدية، وفي مقدمتها السياسة الزراعية المشتركة والصيد، إلى جانب توجيه استثمارات إلى قطاعات تعتبرها باريس أساسية لمستقبل أوروبا وسيادتها، مثل الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمية والطاقة منخفضة الكربون وأشباه الموصلات والدفاع.
وتراهن باريس في هذا المسار على تلاقي مواقف عدد من شركائها مع رؤيتها، ولا سيما بشأن الحفاظ على السياسات الأوروبية التقليدية، وزيادة الاستثمار في القطاعات المستقبلية، وتوفير موارد ذاتية جديدة تخفف القيود المفروضة على موازنة الاتحاد وتساعد في استقرار مساهمات الدول الأعضاء.
ويأتي ذلك فيما تسعى فرنسا أيضًا إلى حشد التأييد للمقترحات الفرنسية الألمانية بشأن القدرة التنافسية والقدرة على الصمود وإعادة التوازن الاقتصادي الكلي، والتي كُشف عنها مطلع الأسبوع الجاري.
ومن الملفات الأوروبية إلى التعاون المتوسطي، حيث تبحث الدول التسع سبل تعزيز التعاون العملي بينها ومع دول الضفة الجنوبية، في مجالات تمتد من الحماية المدنية ومواجهة آثار الحرائق والظواهر المناخية، إلى حماية المحيطات والتنوع البيولوجي وخفض الانبعاثات في النقل البحري، وصولًا إلى مشروعات الربط الكهربائي.
ويحتل أمن الطاقة موقعًا متقدمًا في مناقشات القمة، في ظل التوترات التي تؤثر على حركة العبور وإمدادات الطاقة، حيث تدفع فرنسا باتجاه خفض التوتر المرتبط بالملاحة في مضيق هرمز والبحر الأحمر، بالتوازي مع تنويع مصادر الإمداد وطرقها، ومواصلة العمل على الربط الكهربائي وتقليل الاعتماد على الوقود الأحفوري.
ووفق الرئاسة الفرنسية، تتجه المناقشات إلى إجراءات يمكن أن تساعد في تخفيف أسعار الطاقة دون إضعاف أدوات خفض الانبعاثات، من بينها الإطار المؤقت للمساعدات الحكومية، ومقترحات فرنسية بشأن تنظيم الميثان وزيادة نسب إدماج الوقود الحيوي، فضلًا عن مواصلة الإجراءات التي أُعلنت في إطار مجموعة السبع، ومنها الإفراج عن 100 مليون برميل.
وتكتسب هذه الملفات بعدًا أوسع خلال غداء العمل الذي يشارك فيه قادة «ميد 9» وولي عهد الأردن والأمير ألبير الثاني أمير موناكو، حيث يناقش المشاركون قضايا الأمن والاستقرار وأمن الطاقة في الشرق الأوسط.
وفي هذا الإطار، أوضح مصدر مطلع بالرئاسة الفرنسية أن ماكرون سيواصل طرح الرسائل التي سبق أن نقلها في اتصالاته مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، وفي مقدمتها تفضيل المفاوضات والعمل من أجل الخروج من الأزمة، مع إعطاء الأولوية لخفض التوتر وضمان أمن حركة العبور في مضيق هرمز.
أما ملف الهجرة، فيضع القمة أمام اختبار آخر يتعلق بكيفية إدارة الضغوط على الحدود الخارجية للاتحاد الأوروبي، مع تأكيد فرنسا ضرورة التطبيق الكامل لميثاق اللجوء والهجرة، الذي دخل حيز التنفيذ في يونيو الماضي، إلى جانب النظام الأوروبي الجديد بشأن العودة وتعزيز إطار التضامن والمسؤولية المشتركة.
وتشير مصادر بقصر الإليزيه إلى استمرار انخفاض أعداد عمليات العبور غير النظامي على الحدود الخارجية للاتحاد منذ عام 2021، مع تراجع أكثر وضوحًا خلال العامين الماضيين، معتبرة أن الأولوية تكمن في تطبيق الإطار الأوروبي القائم وتعزيز أدواته، بما في ذلك مراقبة الحدود.
وفي الوقت نفسه، تتمسك باريس بموقفها من «الحلول المبتكرة» في مجال الهجرة، إذ ترى أن مراكز العودة التي أقامتها إيطاليا في ألبانيا تظل خيارًا وطنيًا، ولا ينبغي أن تتحول إلى سياسة أوروبية مدعومة بتمويل من الاتحاد.
وعلى صعيد الاستجابة الأوروبية، تناقش القمة ما قدمته المفوضية الأوروبية الأسبوع الماضي للتعامل مع حالات الضغط والهجرة المستغلة لأغراض سياسية، في أعقاب أزمة الهجرة الأخيرة في سبتة، وهو إطار شامل وليس أداة تشريعية جديدة، بحسب الرئاسة الفرنسية. وتدعم باريس هذا النهج الذي يجمع بين حماية الحدود والمراقبة والعودة، ويستفيد من الأدوات الأوروبية المتاحة، مع بحث الحاجة إلى عناصر إضافية إذا اقتضت الظروف.
ومن المنتظر أن تنعكس هذه الأولويات في الإعلان المشترك للقادة، الذي يدور حول ثلاثة محاور رئيسية هي: مزيد من الأمن، ومزيد من الاستدامة، ومزيد من القدرة التنافسية، مع ترجمة هذه العناوين إلى أولويات ذات خصوصية متوسطية، تشمل الموازنة الأوروبية المقبلة والسيادة الأوروبية والاستثمار والتفضيل الأوروبي، إلى جانب التعاون العملي بين دول المنطقة.
وبالتوازي مع أعمال القمة، يبحث ماكرون مع رئيس الوزراء الكرواتي أندريه بلينكوفيتش مسار الشراكة الاستراتيجية بين البلدين، ولا سيما التعاون الدفاعي، وفي مقدمته طائرات «رافال» التي اشترتها كرواتيا، إلى جانب التعاون في مجالي البنية التحتية والاستثمارات.
وفي ظل الضغوط التي تواجهها أوروبا على صعيد الموازنة والطاقة والهجرة، يسعى الرئيس الفرنسي إلى حشد التأييد وبلورة مواقف مشتركة بين الدول التسع في قمة «ميد 9» بشأن عدد من الملفات ذات الأولوية لدول جنوب الاتحاد الأوروبي، بما يعزز قدرتها على طرح رؤيتها خلال المناقشات الأوروبية المرتقبة في بروكسل.