الخميس 08/أكتوبر/2026 - 05:36 م
افتتح قداسة البابا تواضروس الثاني، بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية، اليوم الخميس، المؤتمر العلمي الدولي الرابع الذي ينظمه معهد الدراسات القبطية بالكاتدرائية المرقسية بالأنبا رويس، تحت عنوان "الدراسات القبطية وتعميق الوعي بالهوية القبطية.. واقع معاصر ورؤية مستقبلية"، وذلك على مدار يومين.
وسبق افتتاح المؤتمر، افتتاح معرض "لمحات من الفن والعمارة القبطية"، الذي أُقيم على هامش المؤتمر، ويضم عددًا من الأيقونات القبطية وأيقونات من الفن الهندي المسيحي، إلى جانب نماذج للعمارة القبطية، من بينها التصميم البيئي في العمارة القبطية والكنائس ومراكز الاستشفاء والعمارة السكنية.
وحضر فعاليات الافتتاح عدد من الوزراء السابقين، ورؤساء الجامعات وأساتذة الجامعات وعمداء الكليات، إلى جانب عدد من الشخصيات العامة والباحثين والمهتمين بالدراسات القبطية.
ورحب الأستاذ الدكتور ماجد رسمي عبد الملك، عميد معهد الدراسات القبطية، في كلمته، بقداسة البابا والحضور، فيما استعرض مقرر المؤتمر الأستاذ إيهاب عاطف برنامج المؤتمر.
من جانبه، قال حلمي النمنم، وزير الثقافة الأسبق، إن انعقاد المؤتمر يأتي في لحظة مهمة، بالتزامن مع احتفالات مصر بذكرى انتصار أكتوبر عام 1973، واصفًا الانتصار بأنه أحد تجليات الهوية الوطنية المصرية.
وأشار إلى أن المؤتمر يأتي بعد نحو أسبوعين من انعقاد مؤتمر آخر في مكتبة الإسكندرية، حول الهوية الوطنية المصرية، لافتًا إلى أن مؤتمر اليوم يتناول الهوية القبطية المصرية.
ونوه النمنم بأنه سبق أن طالب، قبل نحو 20 عامًا، بإنشاء مركز للدراسات القبطية يتبع إحدى الجامعات المصرية، انطلاقًا من أن الهوية القبطية جزء رئيسي من الهوية الوطنية المصرية، ومن ثم ينبغي أن تكون محل دراسة في الجامعات المصرية، وألا تقتصر دراستها على الكنيسة.
وأكد أن الهوية القبطية تمثل جزءًا وملمحًا أساسيًا في تكوين المواطن المصري، ومن ثم ينبغي أن تنتقل من الإطار العلمي والأكاديمي إلى الإطار الوطني العام والثقافة العامة.
ولفت إلى أن الهوية الوطنية المصرية واجهت، خلال ستينيات القرن الماضي وحتى منتصف ثمانينياته، تحديات ومحاولات للإزاحة والتهميش تحت دعاوى ومسميات متعددة، مشيرًا إلى استمرار محاولات إنكار الهوية الوطنية المصرية، وفي القلب منها الحقبة القبطية.
واستشهد النمنم بمقولة قداسة البابا تواضروس الثاني "وطن بلا كنائس خير من كنائس بلا وطن"، التي أطلقها في أعقاب الأحداث التي شهدتها مصر عام 2013، مؤكدًا أنها قيلت في لحظة صعبة تعرضت خلالها عشرات الكنائس للحرق، كما تعرض المقر البابوي للاعتداء، واصفًا البابا بأنه رجل وطني ومخلص وشجاع وأمين على مصريته ووطنه.
كما ألقى الأستاذ الدكتور هشام الليثي، الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، كلمة خلال فعاليات المؤتمر.
وفي كلمته، أكد قداسة البابا تواضروس الثاني أن مصر من أقدم دول العالم، وتمتلك كتابًا ضخمًا هو "كتاب الحضارة المصرية"، الذي يضم صفحات فرعونية وقبطية وإفريقية وإسلامية وعربية وغيرها، مشيرًا إلى أن هذا الكتاب الحضاري الضخم، الذي تكوّن عبر آلاف السنين، أفرز الهوية المصرية.
وقال قداسة البابا إن "الهوية هي الجذور، وكلما عدنا إلى الجذور تمتعنا بعظمة هذه الجذور، وكلما أدركنا قوتنا"، مؤكدًا أن الهوية القبطية جزء من الهوية الوطنية، وتعبر عن وطن قوي يمتلك جذورًا عميقة.
وأضاف أن مصر من الحضارات القديمة، وأن العودة إلى جذورها تظهر قوة مصر، مستشهدًا بالمقولة التي تقول إن "مصر قد جاءت ثم جاء بعدها التاريخ".
واستعرض قداسة البابا عددًا من الحقائق المرتبطة بجذور الكنيسة المصرية، موضحًا أن الكنيسة المصرية هي حارسة التقليد القبطي المصري، وأن تأسيسها يرتبط بجذور تاريخية ودينية عميقة، مستشهدًا بما ورد في سفر إشعياء: "يَكُونُ مَذْبَحٌ لِلرَّبِّ فِي وَسَطِ أَرْضِ مِصْرَ، وَعَمُودٌ لِلرَّبِّ عِنْدَ تُخْمِهَا".
وأشار إلى أن العائلة المقدسة جاءت إلى مصر في بداية القرن الأول الميلادي، حيث كانت مصر ملجأً للسيد المسيح، مؤكدًا أن أرض مصر تقدست بزيارة العائلة المقدسة التي أقامت بها ثلاث سنوات وستة أشهر وجالت في عدد من مناطقها.
وأوضح أن القديس مارمرقس كرز في مصر واستشهد في الإسكندرية عام 68 ميلادية، مشيرًا إلى أن الكنيسة المصرية تتميز بتأسيسها ذي الجذور الممتدة إلى العهد القديم، ثم زيارة العائلة المقدسة في بداية العهد الجديد، وكرازة القديس مارمرقس واستشهاده.
وأكد أن كتاب الحضارة المصرية يتضمن جزءًا خاصًا بالحضارة القبطية والدراسات القبطية، وهو ما يتناوله المؤتمر من خلال محاور متعددة تشمل الفن والعمارة واللغة والمخطوطات والموسيقى والتاريخ وغيرها.
وأشار قداسة البابا إلى أنه منذ عام 2013 شهدت مصر محاولات لتغيير هويتها من خلال التشويه والتزوير والنسيان والتجاهل، إلا أن الهوية المصرية ظلت عصية على التغيير، لافتًا إلى عدد من الإجراءات التي وصفها بأنها أسهمت في إصلاح الهوية القبطية والحفاظ عليها.
وأوضح أن من بين هذه الإجراءات قيام الدولة عام 2013 بإصلاح وترميم الكنائس والمباني الخدمية التي تعرضت للحريق، وإصدار قانون بناء الكنائس عام 2016، إلى جانب إنشاء المسجد والكنيسة في العاصمة الإدارية الجديدة، باعتبارهما بداية روحية للمشروع.
وأكد قداسة البابا أن الحفاظ على الهويات، ومن بينها المكون القبطي، أمر بالغ الأهمية، مشيرًا إلى أن مصر تملك أقدم الأديرة والكنائس في العالم، وأن لديها حركة رهبانية حية وفعالة، تسهم إلى جانب الصلاة وخدمة الوطن في استصلاح الأراضي الصحراوية وزراعتها بما يدعم الإنتاج وخدمة المجتمع.
وشدد على أهمية الاهتمام بالهوية والحضارة القبطية باعتبارهما جزءًا من الهوية والحضارة المصرية، مؤكدًا شعار "العودة للجذور" و"التمتع بالجذور".
واختتم قداسة البابا كلمته بالترحيب بالمشاركين في المؤتمر، معربًا عن شكره لكل من يسهم بأبحاثه في فعالياته، ومتمنيًا التوفيق للمؤتمر، وأن تظل مصر في عزة ونصرة، بالتزامن مع احتفالاتها بذكرى انتصارات أكتوبر المجيدة.
وفي ختام فعاليات الافتتاح، جرى تكريم عدد من الرموز تقديرًا لإسهاماتهم في خدمة معهد الدراسات القبطية.