بعد نحو عقدين من آخر انتخابات تشريعية فلسطينية، تعود صناديق الاقتراع إلى واجهة المشهد، ليس باعتبارها استحقاقا انتخابيا عاديا، وإنما كاختبار لمدى قدرة النظام السياسي الفلسطيني على الخروج من حالة الجمود التي عاشها منذ انتخابات 2006، وإعادة تحريك مؤسساته وفتح الطريق أمام مرحلة جديدة من العمل السياسي.
وبينما تتحدث الساحة الفلسطينية عن انتخابات يفترض أن تجمع الضفة الغربية وقطاع غزة تحت مظلة سياسية واحدة، تبرز في الخلفية أزمة أخرى لا تقل تعقيدا، تتمثل في الانقسام داخل حركة فتح نفسها.
فمنذ آخر انتخابات تشريعية أُجريت في 25 يناير 2006، تغير المشهد الفلسطيني بصورة جذرية؛ فبعد الانتخابات تصاعد الصراع السياسي بين فتح وحماس، وصولا إلى الانقسام عام 2007 وسيطرة حماس على قطاع غزة، بينما تعطلت الحياة البرلمانية لاحقا، قبل حل المجلس التشريعي رسميا عام 2018.
ومنذ ذلك الحين، لم يشهد الفلسطينيون انتخابات تشريعية جديدة، لتصبح مسألة تجديد المؤسسات المنتخبة وإعادة بناء النظام السياسي واحدة من أبرز القضايا المرتبطة بأزمة الانقسام الفلسطيني.
وفي عام 2021، ظهرت محاولة لكسر هذا الجمود، بعدما صدر مرسوم بإجراء انتخابات تشريعية ورئاسية، وحدد 22 مايو موعدا للتشريعية و31 يوليو للرئاسية، لكن الانتخابات أُجلت قبل إجرائها، وهو ما أبقى المؤسسات السياسية الفلسطينية من دون تجديد انتخابي.
ولذلك فإن الانتخابات المقرر إجراؤها في 28 نوفمبر 2026، إذا تمت في موعدها، ستكون أول انتخابات تشريعية فلسطينية منذ عشرين عاما تقريبا، بما يجعلها أبعد من مجرد استحقاق لاختيار أعضاء مجلس تشريعي؛ فهي ترتبط بإعادة تحريك المؤسسات، وفتح مسار إصلاح سياسي، وإيجاد إطار تمثيلي يمكن أن يجمع الفلسطينيين في الضفة وغزة بعد سنوات من الانقسام.
لكن عودة الانتخابات إلى المشهد أعادت في الوقت نفسه فتح واحد من أكثر الملفات حساسية داخل حركة فتح، وهو الخلاف بين الرئيس محمود عباس والقيادي الفلسطيني محمد دحلان وتيار الإصلاح الديمقراطي الذي يقوده.
فبحسب المحلل السياسي الفلسطيني وعضو حركة فتح أيمن الرقب، تعود جذور الخلاف إلى عام 2010، قبل أن تتوسع بصورة أكبر خلال عام 2011، مع بروز التيار الإصلاحي بقيادة دحلان، الذي كان في ذلك الوقت عضوا في المجلس التشريعي الفلسطيني.
ويرى الرقب، أن الخلاف لم يكن متعلقا بالأشخاص فقط، وإنما ارتبط أيضا بطريقة إدارة النظام السياسي الفلسطيني ودور المؤسسات التشريعية، مشيرا إلى أن اتساع الخلاف أدى إلى ظهور تيار إصلاحي داخل فتح، ثم تطورت المواجهة السياسية بين الجانبين على مدار السنوات التالية.
ولم تتوقف محاولات إنهاء الخلاف عند حدود الاتصالات الفلسطينية، بحسب الرقب، الذي يشير إلى تحركات مصرية وإماراتية وأردنية ولبنانية، إلى جانب أطراف دولية من بينها فرنسا، هدفت إلى تقريب وجهات النظر بين تيار الإصلاح وأبو مازن وإعادة ترتيب البيت الفتحاوي.
ويشير إلى لقاء جمع الرئيس المصري والملك الأردني وأبو مازن، طرح خلاله ملف المصالحة، مؤكدا أن هذه الجهود، وفق تقييمه، كلها باءت بالفشل مع إصرار أبو مازن على موقفه من استبعاد تيار الإصلاح.
ويربط الرقب بين استمرار الانقسام داخل فتح وبين تراجع قدرتها على خوض الاستحقاقات السياسية بصورة موحدة، مستعيدا تجربة الانتخابات التي كان مقررا إجراؤها عام 2021.
ويقول إن تيار الإصلاح خاض تلك التجربة من خلال قائمة المستقبل"، التي تقدمت للمنافسة واجتازت الطعون القانونية، وكان من الممكن، وفق تقديره، أن تحصل على نحو 15 مقعدا، بما كان سيمنح التيار حضورا داخل النظام السياسي الفلسطيني، إلا أن إلغاء الانتخابات حال دون ذلك.
ومع اقتراب الانتخابات الجديدة، لم يعد السؤال متعلقا فقط بما إذا كان تيار الإصلاح سيعود إلى الإطار التنظيمي لحركة فتح، وإنما أصبح مرتبطا أيضا بكيفية مشاركته في العملية الانتخابية المقبلة.
وتشير التطورات الأخيرة إلى وجود نقاشات حول قوائم وتحالفات وطنية أوسع، في ظل اتصالات بين تيار الإصلاح وقوى فلسطينية أخرى، من بينها حماس، وإن كانت هذه الاتصالات لم تتحول إلى تحالف انتخابي نهائي ومعلن.
وهنا يرى الرقب، أن الحرب في غزة وما أعقبها من تحولات في المشهد الفلسطيني أسهما في إبراز حضور تيار الإصلاح بصورة أكبر، مشيرا إلى مشاركته في تحركات مرتبطة بملفات المصالحة، وإلى لقاءات دعا إليها التيار وشاركت فيها سبعة فصائل فلسطينية، من بينها حركتا حماس والجهاد الإسلامي.
وبحسب تقييمه، فإن هذا الحضور يفتح أمام التيار خيارات سياسية أوسع من مجرد العودة إلى حركة فتح، بينها المشاركة في تحالفات وطنية خلال الانتخابات المقبلة.
وتكشف هذه التطورات، أن أزمة فتح لم تعد منفصلة عن الأزمة الفلسطينية الأشمل؛ فكلما اقترب موعد الانتخابات، عادت إلى الواجهة الأسئلة المتعلقة بمن يمثل الفلسطينيين، وكيف يمكن توحيد المؤسسات السياسية، وما إذا كانت الانتخابات قادرة على فتح مسار جديد للعلاقة بين الضفة وغزة، وإنهاء جانب من حالة الانقسام التي عطلت الحياة السياسية الفلسطينية لسنوات.
وفي هذا السياق، تكتسب المصالحة الفتحاوية-الفتحاوية أهمية خاصة، ليس فقط باعتبارها تسوية لخلاف داخلي، وإنما باعتبارها، وفق رؤية الرقب، خطوة يمكن أن تمهد لمصالحة فلسطينية أوسع.
ويقول إن مصر تنظر إلى ترتيب البيت الفتحاوي باعتباره جزءا من ترتيب البيت الفلسطيني، بما يسمح بإجراء انتخابات تتجاوز حالة الجمود والأزمات المتراكمة.
ويشدد الرقب على أن “مصالحة فتحاوية-فتحاوية، أو مصالحة بين تيار الإصلاح الديمقراطي وأبو مازن، أمر مهم جدا قبل إجراء الانتخابات الفلسطينية”، مشيرًا إلى أن مصر بذلت جهدا كبيرا خلال السنوات والأشهر الماضية لإنهاء الخلاف، إلا أن هذه الجهود لم تتكلل بالنجاح حتى الآن، نتيجة ما وصفه بأن أبو مازن "يوصد الأبواب، ولا يعطي الموقف النهائي" في هذا الموضوع.
وتأتي هذه الأزمة فيما تواجه الانتخابات نفسها تحديات أخرى تتعلق بالوضع في قطاع غزة والقدس الشرقية، إلى جانب الخلافات السياسية بين الفصائل، وهو ما دفع إلى نقاشات بشأن إمكانية تأجيل موعد 28 نوفمبر، بينما تؤكد حركة فتح أن توقيت الانتخابات يجب أن يكون جزءا من التوافق الوطني.
وبينما تستمر الاتصالات في القاهرة بشأن ترتيب البيت الفلسطيني، تبدو الانتخابات المقبلة أمام اختبار يتجاوز فكرة صناديق الاقتراع ذاتها؛ فنجاحها في إعادة تحريك المؤسسات السياسية يتطلب معالجة الانقسامات التي تراكمت طوال السنوات الماضية، سواء بين الضفة وغزة أو داخل حركة فتح.
وفي المقابل، فإن استمرار هذه الخلافات يترك سؤالا مفتوحا حول شكل النظام السياسي الفلسطيني الذي يمكن أن تفرزه أي انتخابات مقبلة، ومدى قدرتها على فتح صفحة جديدة في الحياة السياسية الفلسطينية ودفع القضية إلى مسار أكثر قدرة على التعامل مع استحقاقات المرحلة المقبلة.