أحيت الأمانة العامة لجامعة الدول العربية، بالتعاون مع المندوبية الدائمة لدولة فلسطين وقطاع فلسطين والأراضي العربية المحتلة، ذكرى ضحايا جريمة الإبادة الجماعية التي ارتكبتها إسرائيل بحق الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، تأكيدًا على مواصلة التحرك العربي والدولي لإنهاء معاناة الفلسطينيين، ووقف الحرب، وضمان تدفق المساعدات الإنسانية، والبدء في إعادة إعمار القطاع، وصولًا إلى إنهاء الاحتلال وتجسيد الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.
تأتي إحياء الذكرى في ظل الكارثة الإنسانية غير المسبوقة التي خلفتها الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة منذ أكتوبر 2023، إذ تجاوز عدد الشهداء 74 ألفًا، بينهم أكثر من 21 ألف طفل، فيما تجاوز عدد النساء اللواتي استشهدن أو أُصبن 35 ألفًا، وفقًا للإحصاءات الطبية الفلسطينية الواردة في كلمة الأمين العام لجامعة الدول العربية.
وترافقت الخسائر البشرية مع دمار واسع طال المنازل والمدارس والمستشفيات والبنية التحتية، فضلًا عن نزوح أعداد كبيرة من السكان وتفاقم نقص الغذاء والمياه والأدوية والمستلزمات الطبية.
وشهدت الفعالية، التي عُقدت بمقر الأمانة العامة للجامعة تنفيذًا لقرار مجلس الجامعة على المستوى الوزاري في دورته السادسة والستين بعد المائة، كلمات رسمية وشهادات إنسانية استحضرت حجم المأساة التي يعيشها الفلسطينيون، وضرورة إبقاء قضيتهم وحقوقهم الوطنية في صدارة الاهتمام العربي والدولي.
وفي كلمته التي ألقاها السفير الدكتور فايد مصطفى، الأمين العام المساعد لجامعة الدول العربية رئيس قطاع فلسطين والأراضي العربية المحتلة، نيابة عن الأمين العام للجامعة نبيل فهمي، شدد على أن قطاع غزة لا يزال يواجه تداعيات كارثية جراء الحرب الإسرائيلية، مؤكدًا أن إحياء ذكرى الضحايا يمثل وفاءً للشهداء وتضامنًا مع الناجين وتجديدًا للمسؤولية تجاه صون الحقيقة والدفاع عن الكرامة الإنسانية والعمل من أجل العدالة وإنهاء المأساة المستمرة.
وأكد مصطفى أن ذكرى السابع عشر من أكتوبر تستحضر آلاف الأرواح التي أُزهقت، ومئات الآلاف من المصابين والمكلومين، والعائلات التي فقدت أبناءها، والأطفال الذين حُرموا من طفولتهم، والمدن التي باتت تبحث بين الأنقاض عن ملامح الحياة التي كانت عليها.
وحذر من أن استمرار حرمان السكان من المياه والغذاء والدواء، وتقلص المساحات الآمنة، وتعذر إعادة بناء المنازل، والقيود المفروضة على دخول المساعدات ومواد الإعمار، يدفع الفلسطينيين إلى ظروف معيشية تتجاوز حدود الاحتمال، وتضيّق الخيارات المتاحة أمامهم للبقاء في أرضهم.
وشدد على أن التهجير لا يقتصر على استخدام القوة المباشرة، بل قد ينتج أيضًا عن ظروف قسرية تجعل البقاء بالغ الصعوبة، مؤكدًا أن حماية السكان من النقل القسري واجب قانوني، وأن صون حق الفلسطينيين في البقاء على أرضهم والحفاظ على ارتباطهم بوطنهم مسؤولية لا تحتمل التأجيل.
وأشار إلى أن الجوع لا يمكن أن يكون وسيلة مشروعة لإخضاع الشعوب، وأن المياه لا يجوز استخدامها ورقة للمساومة، كما لا ينبغي التعامل مع الدواء باعتباره امتيازًا يخضع للحسابات السياسية، أو اعتبار المأوى ترفًا لمن فقدوا بيوتهم، مؤكدًا أن توفير هذه الاحتياجات حقوق أساسية ومسؤوليات قانونية وإنسانية يتعين احترامها وضمانها.
وطالب الأمين العام المساعد لجامعة الدول العربية بضمان دخول المساعدات الإنسانية دون عوائق، وتأمين الإمدادات الطبية والغذائية والوقود، وإعادة تشغيل شبكات المياه والصرف الصحي، وإزالة الركام، واستعادة الخدمات البلدية والصحية والتعليمية، وتوفير المأوى الملائم للنازحين، وتهيئة الظروف التي تتيح للسكان العيش بكرامة وأمان.
وأكد أن الحديث عن التعافي يظل بلا معنى ما دام السكان يفتقدون مقومات الحياة الأساسية، وأن خطط إعادة الإعمار لن تحقق أهدافها إذا ظل الفلسطينيون محاصرين في دائرة الخوف والحاجة والنزوح.
وفيما يتعلق بالوضع الميداني في غزة، لفت مصطفى إلى استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي وسيطرة القوات الإسرائيلية على مساحات واسعة من القطاع، معتبرًا أن اتساع نطاق السيطرة العسكرية يضيّق المساحة المتاحة للمدنيين، ويدفع السكان إلى التركز في مناطق محدودة تحيط بها المخاطر والقيود.
وقال إن استمرار الوجود العسكري الإسرائيلي واتساع نطاق السيطرة على الأرض يثيران تساؤلات جدية بشأن مدى الالتزام باستحقاقات وقف إطلاق النار، والشروط اللازمة لانتقال قطاع غزة من مرحلة الحرب إلى مرحلة السلام والتعافي.
وأوضح أن وقف إطلاق النار كان ينبغي أن يشكل مدخلًا لإنهاء الحرب واستعادة الحياة وتثبيت أمن المدنيين، إلى جانب تهيئة الظروف للانسحاب العسكري وفق الالتزامات المتفق عليها، محذرًا من أن استمرار الهجمات والقيود وتقلص المساحات المتاحة للسكان يبقي المجتمع الفلسطيني معرضًا للخطر، ويجعل السلام عنوانًا لمرحلة لم تستكمل شروطها على الأرض.
وأكد مصطفى أن الأمن الحقيقي لا يتحقق من خلال تكريس الخوف في نفوس المدنيين أو إبقاء السكان تحت وطأة السيطرة والتهديد، وإنما عبر إزالة أسباب الصراع واحترام القانون وإنهاء الاحتلال وتمكين الفلسطينيين من إدارة شؤونهم على أرضهم في إطار وطني فلسطيني موحد.
وتطرق مصطفى إلى الخطط والمبادرات المطروحة لإنهاء الحرب في غزة، وما تتضمنه من ترتيبات انتقالية وحديث عن مجلس السلام وآليات دولية للإشراف على المرحلة المقبلة، فضلًا عن خطط إعادة الإعمار وتوفير التمويل اللازم لاستعادة الحياة في القطاع.
وأكد أن جامعة الدول العربية رحبت بكل جهد جاد يستهدف وضع حد لمعاناة المدنيين والوصول إلى سلام عادل ودائم، موضحًا أن جدية الخطط لا تقاس بصياغاتها أو بعدد الاجتماعات المخصصة لمناقشتها أو بالوعود المستقبلية التي تتضمنها، وإنما بما تحدثه من تغيير ملموس في حياة السكان، وما تحققه من وقف للقتل وتوفير للأمن وإدخال للمساعدات وانسحاب للقوات واستعادة للحقوق.
وأشار إلى التناقض بين الحديث الدولي عن السلام وانتظار سكان غزة نتائجه في حياتهم اليومية، وبين الإعلان عن خطط الإعمار وبقاء الأسر في انتظار مأوى يحميها، وكذلك الحديث عن التعافي في الوقت الذي تحتاج فيه المستشفيات والمدارس وشبكات المياه والطرق إلى إعادة بناء عاجلة.
وأضاف أن الحديث عن ترتيبات المستقبل يتواصل بينما لا يزال حاضر السكان مثقلًا بالخوف والحرمان وانعدام اليقين، ما يفرض على المجتمع الدولي والجهات المعنية بتنفيذ الخطط الانتقال من إدارة الأزمة إلى معالجة أسبابها، ومن الإعلان عن المبادرات إلى تنفيذ الالتزامات، ومن رسم الخرائط والخطط إلى استعادة الحياة على الأرض.
ودعا إلى أن يسهم مجلس الأمن الدولي والجهات القائمة على تنفيذ قرارات الشرعية الدولية في تحويل التعهدات إلى نتائج عملية، ووضع حماية المدنيين وتلبية الاحتياجات الإنسانية في مقدمة الأولويات، والعمل على تثبيت وقف إطلاق النار وضمان الانسحاب العسكري وفق الالتزامات المتفق عليها، وفتح المجال أمام السلطة الوطنية الفلسطينية للاضطلاع بدورها في قطاع غزة، وتوفير الشروط السياسية والأمنية والمالية اللازمة لإعادة الإعمار.
وشدد مصطفى على أن إعادة بناء قطاع غزة يجب أن تكون عملية فلسطينية القيادة، عربية ودولية الدعم، تستجيب للاحتياجات الفعلية للسكان، وتحافظ على حقوقهم في الأرض والممتلكات، وتضمن مشاركتهم في تحديد مستقبلهم، مع ربط الإعمار بمسار سياسي واضح ينتهي بإنهاء الاحتلال وتحقيق الاستقلال الفلسطيني.
وأكد أن المجتمع الدولي مطالب بإثبات جديته من خلال الأفعال لا التصريحات وحدها، عبر حشد الموارد وإزالة العقبات وإلزام الأطراف بتنفيذ تعهداتها، حتى لا يظل القطاع عالقًا بين وقف إطلاق نار هش وخطط سلام غير مكتملة ووعود لإعادة الإعمار تنتظر التنفيذ.
وفي سياق حديثه عن فرص السلام، شدد مصطفى على أن تجارب التاريخ تثبت أن الحروب والاحتلال والاستيطان والجدران قد تفرض هدوءًا مؤقتًا أو سيطرة عابرة، لكنها لا تحقق أمنًا حقيقيًا ولا سلامًا مستدامًا، كما لا تنشئ حقًا أو تمنح شرعية، ولا تستطيع منع انفجار الصراع، بل تزيد من أسبابه وتغذي احتمالات تجدده.
وأضاف أن هذه السياسات لا يمكنها إخماد تطلع الشعوب إلى الحرية أو محو ذاكرتها وروايتها، داعيًا إسرائيل إلى استخلاص دروس التاريخ والتخلي عن عقلية القوة والاحتلال، والاعتراف بحقوق الآخرين والتعامل معهم على أساس الندية والتكافؤ من أجل صنع السلام.
كما دعا إسرائيل إلى التوقف عن الاستناد إلى ذرائع ومخاوف أمنية وصفها بالمضخمة بهدف تكريس الاحتلال، أو طرح مطالب تدفع الصراع من طبيعته السياسية إلى نزاع ديني في منطقة مثقلة بالحساسيات.
وأكد مصطفى أن أي مسار للسلام ينبغي أن يقود إلى أفق سياسي واضح ينهي الاحتلال ويحافظ على وحدة الأرض الفلسطينية، ويضمن حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره، ويفضي إلى إقامة دولته المستقلة ذات السيادة على خطوط الرابع من يونيو 1967، وعاصمتها القدس الشريف، وفقًا لقرارات الشرعية الدولية ومبادرة السلام العربية.
وشدد على أن جامعة الدول العربية ستواصل، بالتعاون مع الدول الأعضاء وشركائها، العمل على وقف معاناة الشعب الفلسطيني وحشد الدعم الإنساني والسياسي والقانوني، والدفع نحو تنفيذ قرارات الشرعية الدولية، وضمان أن يكون قطاع غزة جزءًا أصيلًا من الدولة الفلسطينية المستقلة.
ودعا إلى أن تمثل ذكرى ضحايا الإبادة الجماعية عهدًا متجددًا بعدم نسيان الضحايا أو قطاع غزة، وعدم ترك سكانه وحدهم في مواجهة آثار الحرب، وألا تتحول معاناتهم إلى هامش في حسابات السياسة الدولية.
وأكد أن غزة تستحق استعادة الحياة وعودة المدن إلى ملامحها، وأن يتمكن أطفالها من الانتقال من ظلال الخوف إلى آفاق الأمل، وأن يجد سكانها في المستقبل بيوتًا آمنة وفرص عمل كريمة ومدارس مفتوحة ومستشفيات قادرة على تقديم العلاج، ومستقبلًا يليق بإنسانيتهم.
وفي ختام كلمته، وجه مصطفى التحية إلى الشعب الفلسطيني في قطاع غزة والضفة الغربية والقدس والداخل الفلسطيني ومخيمات اللجوء والشتات، مشيدًا بمواقفه وتضحياته في الدفاع عن حقوقه الثابتة في وطنه، وفي مقدمتها حق تقرير المصير وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف، مؤكدًا أن الفلسطينيين لن يسيروا في هذا الطريق وحدهم.
كما وجه التحية إلى الأشقاء والأصدقاء وكل المدافعين عن الحرية في العالم، الذين يساندون الشعب الفلسطيني في مسيرته لإنهاء الاحتلال، ليعيش حرًا فوق أرض وطنه سيدًا مستقلًا، بعد عقود طويلة من التهجير والقهر والمعاناة، معربًا عن ثقته في أن الدولة الفلسطينية المستقلة ستولد من جديد.
واختتم بالدعاء بالرحمة لشهداء فلسطين، والشفاء للجرحى، وتفريج كرب الأسرى، وحفظ سكان قطاع غزة وسائر الأراضي الفلسطينية المحتلة.