رئيس مجلس الادارة م / محمود سيد عبد المولى
إعلان
مساحة إعلانية مميزة - تواصل معنا للإعلان
إعلان
مساحة إعلانية مميزة - تواصل معنا للإعلان
عاجل
إعلان
مساحة إعلانية مميزة - للإعلان لدينا اتصل بنا

سنغافورة المظلومة!

محرر واقع مصر المصري اليوم - الخلاصات 19 أكتوبر, 2026
سنغافورة المظلومة!
4 مشاهدات

خلال السنوات الماضية وحتى الآن، لا يتوقف مسؤولون ورجال أعمال ومثقفون مصريون وعرب عن الدعوة لأن تكون بلادهم «سنغافورة جديدة». سنغافورة، بالنسبة لهم، وصفة سحرية للتقدم والنجاح، وليس علينا سوى تطبيق هذا النموذج الجاهز لكى نخرج من تخلفنا وفقرنا. أعتقد أننا نظلم سنغافورة، ونظلم أنفسنا، عندما نختزل «الرحلة السنغافورية» فى مجرد أمنية نكررها من حين لآخر، ونعتبر أننا بذلك أدينا ما علينا. بينما الواقع يقول إن سنغافورة خاضت معركة قاسية من العمل والانضباط والجدية لكى تصل إلى ما وصلت إليه. بينما لم تُبارح أمنياتنا نطاق التصريحات ودغدغة المشاعر.

سنغافورة جزيرة صغيرة لا تتجاوز مساحتها ٧٣٥ كيلو مترا مربعا، أى أن محافظة القاهرة بالمدن الجديدة التابعة لها وظهيرها الصحراوى أكبر منها ٤ مرات. عدد سكانها ٥.٦ مليون نسمة فقط. الأمر الذى يجعل إدارة وتوحيد المجتمع السنغافورى الصغير مختلف تماما عن مساحة مصر الشاسعة ومجتمعنا الهائل. ليس هذا هو الفارق الوحيد. بدأت سنغافورة رحلة الصعود منتصف الستينيات تحت قيادة لى كوان يو الذى جمع بين القبضة السياسية الحديدية والحزم الإدارى المطلق. وهو نموذج يمكن وصفه بالمستبد الكفء. فى التجارب العربية، هناك تغليظ للسلطة والقبضة الأمنية، بينما يغيب الجزء الأهم، وهو سيادة القانون على الجميع واجتثاث الفساد والجدارة المطلقة حيث يُعين الكفء لا صاحب الواسطة.

ولأن سنغافورة دولة بلا موارد تقريبا، فإن الاستثمار الحقيقى تركز على البشر. التعليم الذى يواكب العصر والاهتمام الشديد باللغة الإنجليزية وتدريب الكوادر البشرية. لا توجد مسابقة عالمية للطلاب فى الرياضيات والمواد العلمية، إلا ويحتل فيها الشباب السنغافورى الصدارة. فى المقابل، حدث ولا حرج عن التعليم المصرى ومخرجاته ومستويات الطلاب. الخريج السنغافورى مؤهل لأسواق العمل الخارجية، بينما خريجونا لا يمتلكون مهارات العمل حتى بسوق العمل المحلية. المجتمع السنغافورى أيضا لديه ثقافة الانضباط الصارمة والالتزام بالقوانين. رمى القمامة فى الشارع أو كسر إشارات المرور أو حتى مضغ اللبان ليست من ثقافته. ومع ذلك، فالعقوبات قاسية لمن ينتهك اللوائح والقوانين.

أما نحن، فإن شوارعنا «أكثر إنباء من الكتب». قوانين المرور عندنا وُضعت لكى نكسرها. التحايل والبحث عن ثغرات القوانين، موهبة تُكسِب صاحبها أموالا وفيرة. المفارقة أن بعض المطالبين بأن تكون لدينا «سنغافورات» أخرى يرفضون الالتزام بأبسط قواعد الانضباط بالشارع.

لا أُصادر على حلم التقدم والرغبة فى الاحتذاء بالآخرين. لكنى أدعو إلى استنساخ تجارب «على أدنا». المبالغة فى أحلام غير واقعية لن تحقق ما نصبو إليه، بل ستصيبنا بالإحباط. هناك نموذج أقل طموحا وأكثر واقعية وأقرب للاقتباس بالنسبة للدول التى تعانى أزمات تمنعها أن تكون سنغافورة جديدة. رواندا هى النموذج الأبرز عالميا لكيفية نهوض دولة من قاع التخلف والدمار إلى دولة مستقرة وناهضة. انتقلت هذه الدولة الأفريقية من حرب أهلية وإبادة جماعية عام ١٩٩٤، إلى تحقيق نمو سنوى يقارب ١٠٪. تتنافس الاستثمارات الأجنبية عليها. نجحت فى القضاء على الرشوة والفساد من خلال الرقمنة. تسجيل الشركات يستغرق ساعات. الجميع يستظل بالقانون والنظام والشفافية. مطلوب تقليل سقف الطموحات. رواندا البديل الواقعى لسنغافورة.

إعلان
مساحة إعلانية مميزة - للإعلان لدينا اتصل بنا