لم يكن فريق الآثار يتوقع أن تقوده قطعة صغيرة من الفخار عالقة تحت التراب إلى اكتشاف أثري يثير العديد من التساؤلات حول حياة السكان القدماء في شرق السودان. فخلال مهمة ميدانية تدريبية، تحولت ملاحظة عابرة في منطقة المريبيعة بولاية القضارف إلى بداية حكاية أثرية جديدة، بعدما ظهرت جرار فخارية مدفونة وبقايا هيكل عظمي لطفل، إلى جانب تلال دفن تمتد على مساحات واسعة، في منطقة لا يزال تاريخها الأثري بحاجة إلى مزيد من البحث والاستكشاف.
ويفتح الاكتشاف الباب أمام احتمالات جديدة لفهم تاريخ المنطقة وطرق الدفن التي اتبعها سكانها القدماء، خاصة مع ترجيحات أولية تشير إلى احتمال عودة المكتشفات إلى العصر الحجري الحديث، خلال الفترة الممتدة تقريبًا بين عامي 5000 و3000 قبل الميلاد. ومع ذلك، يظل هذا التأريخ افتراضيًا في انتظار استكمال الدراسات العلمية والحفريات المتخصصة التي يمكنها تحديد عمر الموقع بصورة أكثر دقة.
بدأت الواقعة في منطقة المريبيعة، التابعة لمحلية الفشقة بولاية القضارف شرقي السودان، خلال مسح ميداني كان يستهدف تدريب طلاب الآثار بجامعة القضارف على العمل الميداني، بالتعاون مع إدارة الآثار بالولاية.
وخلال أعمال المسح، لاحظ أحد الطلاب قطعة فخار ظاهرة جزئيًا تحت سطح الأرض، وعندما حاول رفعها، اكتشف أنها ثابتة في مكانها، وهو ما دفعه إلى إزالة بعض التراب المحيط بها، لتبدأ ملامح فوهة جرة مدفونة في الظهور.
وأمام هذه العلامات غير المتوقعة، قرر الطالب إبلاغ المشرفين على الفريق، لتتغير طبيعة المهمة من تدريب ميداني اعتيادي إلى محاولة محدودة لإنقاذ المكتشفات الأثرية التي ظهرت في الموقع.
وقالت الدكتورة حنان الشيخ هجو، عالمة الآثار المشاركة في العمل، إن الفريق أوقف أعمال النبش فور الاشتباه في وجود آثار مدفونة، وسجل إحداثيات الموقع باستخدام نظام تحديد المواقع العالمي «GPS»، قبل العودة في اليوم التالي لإجراء حفرية إنقاذ محدودة.
ومع بدء الحفر، ظهرت جرة فخارية في الطبقة الأولى من التربة، بينما امتد جزء كبير من جرة ثانية إلى طبقة أعمق، الأمر الذي استدعى إزالة طبقة أخرى للكشف عنها وإنقاذها. وخلال هذه الخطوة، فوجئ الباحثون بظهور جرة ثالثة، لتتأكد أهمية الموقع الأثري الذي لم يكن مدرجًا ضمن أهداف التنقيب الأساسية للفريق.
لكن العمل لم يستمر طويلًا، إذ توقف الحفر عند عمق يقارب 20 سنتيمترًا، بعد إزالة طبقتين من التربة، خشية أن يؤدي التعمق إلى ظهور مكتشفات إضافية تتجاوز الإمكانات المتاحة للفريق.
وأوضحت حنان الشيخ هجو أن ما جرى لم يكن تنقيبًا أثريًا متكاملًا، وإنما حفرية إنقاذ استهدفت التعامل مع الآثار التي ظهرت بصورة مفاجئة خلال المسح الميداني، وهو ما يعني أن الموقع لا يزال يحتفظ بأجزاء لم تُكتشف بعد، وقد تحمل معلومات أكثر أهمية عن تاريخ المنطقة.
ويعكس هذا التوقف طبيعة التحديات التي تواجه العمل الأثري في المواقع غير المستكشفة، حيث لا يكفي العثور على القطع الأثرية، بل يتطلب الحفاظ عليها وتوثيق مواضعها وطبقاتها، حتى لا تضيع المعلومات التي تساعد العلماء على تفسيرها.
ولم تقتصر المكتشفات على الجرار الفخارية، إذ عثر الفريق أيضًا على بقايا عظمية بشرية، من بينها أجزاء من هيكل عظمي لطفل، لفتت انتباه الباحثين بسبب وضعية العظام المكتشفة.
وبحسب الملاحظات الأولية، كان اتجاه عظم الفخذ نحو الأضلاع مؤشرًا يرجح أن الطفل دُفن في وضعية القرفصاء، وهي ملاحظة قد تساعد في دراسة أساليب الدفن التي عرفتها المجتمعات القديمة في المنطقة.
تشير القرائن الأولية، استنادًا إلى شكل الجرار الفخارية والسياق الأثري للموقع، إلى احتمال عودة المكتشفات إلى العصر الحجري الحديث، خلال الفترة الممتدة تقريبًا من 5000 إلى 3000 قبل الميلاد.
غير أن الباحثين يتعاملون مع هذا الاحتمال بحذر، إذ لا يمكن اعتماد تاريخ نهائي للموقع استنادًا إلى شكل الفخار وحده، دون إجراء دراسات إضافية تؤكد هذا الترجيح.
ويتطلب الوصول إلى تأريخ أكثر دقة فحص الأواني الفخارية ومقارنتها بنماذج معروفة من مواقع أثرية أخرى، ودراسة البقايا العظمية، وتحليل طبقات التربة، فضلًا عن تنفيذ حفريات إضافية تسمح بفهم السياق الذي ظهرت فيه المكتشفات.
كما أشارت حنان الشيخ هجو إلى أهمية التنقيب في مدفن آخر بالمنطقة، حتى يتمكن الباحثون من مقارنة النتائج وتكوين صورة أوضح عن طبيعة المقابر ومحتوياتها.
وتكتسب هذه الخطوات أهمية خاصة لأن الحفرية الحالية لم تكشف المدفن بالكامل، ولم تسمح بتحديد عدد الأشخاص الذين دُفنوا في الموقع أو طبيعة الطقوس الجنائزية التي ربما ارتبطت به.
ومن أبرز ما يضاعف أهمية الاكتشاف أن الموقع لا يبدو معزولًا، إذ أوضحت الباحثة أن تلال الدفن في المنطقة كبيرة وممتدة، وأن أعمال المسح كشفت عن تلال في ثلاثة مواقع مختلفة، رغم أن الحفر الفعلي اقتصر على أحدها.
وتشير هذه المعطيات إلى احتمال وجود نطاق أثري أوسع يحتاج إلى دراسة منظمة، خاصة أن طبيعة التلال وامتدادها قد تساعد في الكشف عن أنماط الاستيطان البشري وأساليب الدفن التي عرفتها المنطقة في فترات تاريخية قديمة.
وترى هجو أن ولاية القضارف من المناطق الغنية بالمواقع الأثرية التي لم تحصل على القدر الكافي من أعمال المسح والتنقيب، رغم ما قد تحتويه من شواهد مهمة تساعد في فهم تاريخ شرق السودان.
وأضافت أن بعثة أجنبية أجرت أعمال مسح في المنطقة ومواقع أخرى عام 2010، إلا أن الحفريات لم تكتمل في الموقع الذي شهد الاكتشاف الحالي، وفقًا لإفادتها.
ويعني ذلك أن جزءًا مهمًا من تاريخ المنطقة لا يزال بحاجة إلى جهود بحثية متواصلة، تبدأ بتحديد المواقع ذات الأولوية، وتمتد إلى توثيقها وحمايتها وإجراء الحفريات اللازمة للكشف عن محتوياتها.
على الرغم من أهمية المكتشفات، فإن محدودية الإمكانات المتاحة فرضت على الفريق التوقف عند عمق ضحل، خاصة مع ظهور مؤشرات إلى احتمال وجود آثار أخرى تحت الطبقات التي جرى فحصها.
وتوضح هذه التجربة أن اكتشاف المواقع الأثرية لا يمثل سوى الخطوة الأولى، بينما يحتاج استكمال العمل إلى معدات مناسبة وموارد مالية وخبرات متخصصة، تتيح تنفيذ عمليات الحفر والتوثيق والفحص وفق المعايير العلمية.
كما أن التعامل مع البقايا البشرية والأواني الفخارية يتطلب عناية خاصة، لأن إخراج القطع من مواضعها دون توثيق دقيق قد يؤدي إلى فقدان معلومات أساسية عن عمرها واستخداماتها وعلاقتها ببقية المكتشفات.
ومن هنا، تبرز الحاجة إلى برنامج بحثي متكامل في المريبيعة والمواقع المحيطة بها، يجمع بين أعمال المسح والتنقيب والتحليل العلمي، مع اتخاذ إجراءات لحماية تلال الدفن من التلف أو العبث.
في الختام، لم تكن قطعة الفخار التي ظهرت تحت التراب مجرد أثر عابر، بل كانت بداية اكتشاف قد يضيف معلومات مهمة إلى تاريخ شرق السودان، ويفتح الطريق أمام فهم أعمق لحياة المجتمعات القديمة وطرق دفن موتاها.