الإثنين 26/أكتوبر/2026 - 08:00 ص
لطالما كان الحليب، على مرّ الأجيال، الحل الأمثل لأحد أكثر الأسئلة الصحية شيوعاً: كيف نبني عظاماً قوية؟ فمن أكواب الحليب التي كنا نتناولها في طفولتنا إلى الإعلانات التي تعد بعظام أقوى مع كل رشفة، ترسّخت العلاقة بين الحليب وصحة العظام في حياتنا. ولكن هل يكفي شرب الحليب فعلاً للوقاية من هشاشة العظام، وهي حالة تُضعف العظام وتجعلها أكثر عرضة للكسور؟
باختصار، الحليب يساعد، لكنه لا يستطيع القيام بكل العمل الشاق.
يلعب الكالسيوم وفيتامين د والبروتين والنشاط البدني وخيارات نمط الحياة دوراً هاماً في الحفاظ على صحة العظام، خاصةً مع التقدم في السن. يوضح الدكتور سوشيل شارما، استشاري أول (جراحة استبدال المفاصل والركبة) في مستشفى كيلاش، نويدا، أن الحليب يزود الجسم بالكالسيوم، وهو معدن أساسي ضروري لتكوين عظام قوية والحفاظ عليها. مع ذلك، فإن تناول الكالسيوم وحده لا يضمن عظاماً صحية.
يوضح قائلاً: "يحتاج الجسم إلى فيتامين د لامتصاص الكالسيوم"، مُسلطاً الضوء على أهمية الحصول على كميات كافية من كلا العنصرين الغذائيين. فبدون كمية كافية من فيتامين د، قد يواجه الجسم صعوبة في امتصاص الكالسيوم بكفاءة، حتى مع وجود أطعمة غنية بالكالسيوم في النظام الغذائي. وهذا يعني أن إضافة كوب آخر من الحليب إلى روتينك اليومي قد لا يكون كافياً إذا تم إهمال الاحتياجات الغذائية الأخرى.
الكالسيوم ليس مجرد عنصر غذائي آخر في قائمة احتياجاتك الغذائية. فبحسب الدكتور راكيش راجبوت، رئيس قسم جراحة العظام ومديره في مستشفيات سي كي بيرلا، التابعة لمعهد سي إم آر آي كولكاتا، يُخزَّن ما يقارب 99% من كالسيوم الجسم في العظام. والعظام ليست هياكل ثابتة، بل تخضع باستمرار لعملية تُسمى إعادة تشكيل العظام، حيث يتم تكسير أنسجة العظام القديمة واستبدالها بأنسجة جديدة. وعندما لا يحصل الجسم على كمية كافية من الكالسيوم لفترة طويلة، فإنه قد يلجأ إلى الكالسيوم المُخزَّن في العظام لتلبية احتياجاته. ومع مرور الوقت، قد يُسهم هذا الخلل في انخفاض كثافة العظام، مما يزيد من خطر الإصابة بهشاشة العظام.
يُعدّ الحليب واللبن الرائب والجبن مصادر مفيدة للكالسيوم، لكنها ليست الخيارات الوحيدة. يشير الدكتور راجبوت إلى أن الأشخاص الذين لا يتناولون منتجات الألبان يمكنهم الحصول على الكالسيوم من الدخن، وبذور السمسم، والتوفو المُدعّم بالكالسيوم، وبعض الخضراوات الورقية، والأطعمة المُدعّمة بالكالسيوم. الأهم هو تلبية احتياجاتك من الكالسيوم باستمرار بدلاً من الاعتماد على مصدر غذائي واحد فقط.
إذا كان الكالسيوم هو المادة الأساسية لبناء العظام، فإن فيتامين د يساعد الجسم على امتصاصه واستخدامه بكفاءة. وبدون كمية كافية من فيتامين د، يصبح الحفاظ على صحة العظام أكثر صعوبة، بغض النظر عن كمية الكالسيوم التي يتناولها الشخص. وتؤكد الدكتورة أنو دابر، استشارية أولى في أمراض الروماتيزم والمناعة السريرية في مركز باراس هيلث في جوروجرام، أن الأطعمة الغنية بالكالسيوم وحدها لا تكفي للحفاظ على قوة العظام. ففيتامين د ضروري لامتصاص الكالسيوم من الأمعاء، مما يجعل المستويات الكافية منه جزءًا أساسيًا من أي استراتيجية للحفاظ على صحة العظام.
يمكن الحصول على فيتامين د من خلال التعرض لأشعة الشمس وبعض الأطعمة. وقد يُوصى بتناول المكملات الغذائية عند تشخيص نقص فيتامين د أو عندما يرى الطبيب ضرورة لذلك. مع ذلك، فإن تناول كميات من الكالسيوم أو فيتامين د تفوق حاجة الجسم ليس بالضرورة أفضل. تختلف الاحتياجات الغذائية، ويجب تناول المكملات الغذائية تحت إشراف طبي وليس كبديل عن نظام غذائي متوازن.
هنا تبرز أهمية خرافة الحليب. فصحة العظام لا تتحدد بالنظام الغذائي وحده، بل تؤثر عضلاتك ونشاطك البدني وعاداتك اليومية أيضًا على قدرة عظامك على تحمل متطلبات الحياة اليومية. ويؤكد الدكتور بهارات دورجيا، استشاري أول في جراحة العظام واستبدال المفاصل في مستشفى كيلاش، جريتر نويدا، أن امتصاص الكالسيوم ليس سوى جزء من الصورة. فتناول كمية كافية من البروتين وممارسة تمارين تحمل الوزن لا يقل أهمية عن ذلك للحفاظ على كثافة العظام وتقليل خطر الإصابة بهشاشة العظام مع التقدم في السن.
تُساهم أنشطة مثل المشي وتمارين المقاومة في دعم قوة العظام. كما تُساعد تمارين المقاومة في الحفاظ على كتلة العضلات، وهو أمرٌ بالغ الأهمية للتوازن وتقليل خطر السقوط. في المقابل، يُعد التدخين أحد عوامل الخطر المرتبطة بنمط الحياة، والذي يُمكن أن يُؤثر سلبًا على صحة العظام. ويُسلط الدكتور دابر الضوء أيضًا على العلاقة بين صحة العضلات والعظام، مُشيرًا إلى أن كليهما قد يضعف مع التقدم في السن. لذا، فإن الحصول على كمية كافية من البروتين، وممارسة النشاط البدني بانتظام، واتباع نظام غذائي متوازن، كلها عوامل تُساعد في دعم صحة الجهاز العضلي الهيكلي بشكل عام.
الهدف ليس الاعتماد على نوع واحد من الأطعمة الخارقة أو المكملات الغذائية، بل بناء عادات تحمي صحة العظام مع مرور الوقت.
تختلف احتياجات الكالسيوم باختلاف العمر والجنس والحالة الصحية. يشير الدكتور راجبوت إلى أن الاحتياجات اليومية تتراوح عادةً حول 1000 ملغ لمعظم البالغين، بينما قد يحتاج بعض كبار السن والنساء إلى حوالي 1200 ملغ، وذلك تبعًا للإرشادات الغذائية المعتمدة. هذه الأرقام هي إرشادات عامة، وليست وصفة طبية موحدة. قد تختلف احتياجاتك بناءً على عمرك ونظامك الغذائي وتاريخك الطبي.
بالنسبة للأشخاص الذين لا يستطيعون تلبية احتياجاتهم من الكالسيوم من خلال الطعام، يمكن لأخصائي الرعاية الصحية تقييم مدى ملاءمة تناول المكملات الغذائية. وبالمثل، ينصح الدكتور دورجيا بالنظر في تناول مكملات الكالسيوم عند عدم كفاية المدخول الغذائي، ولكن يجب تناولها تحت إشراف طبي.
من المهم أيضًا تذكر أن هشاشة العظام قد تتطور دون ظهور أعراض واضحة في مراحلها المبكرة. وقد لا يُلاحظ فقدان العظام إلا عند حدوث كسر، مما يجعل الرعاية الوقائية والفحص المناسب ضروريين بشكل خاص للأشخاص الأكثر عرضة للخطر.
نعم، إذا كنت تستمتع به ويتناسب مع احتياجاتك الغذائية. يُعدّ الحليب مصدرًا مناسبًا للكالسيوم والبروتين، ويمكن أن يكون جزءًا قيّمًا من نظام غذائي يُعزز صحة العظام. لكنه ليس حلًا سحريًا ضد هشاشة العظام. وكما يوضح الدكتور شارما، فإن صحة العظام هي نتيجة لتضافر عدة عوامل، بما في ذلك الحصول على كمية كافية من الكالسيوم وفيتامين د وممارسة تمارين تحمل الوزن. ويؤكد كل من تأكيد الدكتور راجبوت على التغذية المتوازنة، وتركيز الدكتور دورجيا على البروتين والنشاط البدني، وتذكير الدكتور دابر بضرورة امتصاص العناصر الغذائية واستخدامها بفعالية، على النتيجة نفسها.
قد يُساهم كوب من الحليب في تقوية العظام، لكنه لا يُغني عن اتباع نظام غذائي متوازن، وممارسة الرياضة بانتظام، واتباع نمط حياة صحي. فعندما يتعلق الأمر بهشاشة العظام، فإن أفضل حماية تكمن في العناية اليومية بالعظام، وليس في إضافة عنصر آخر إلى قائمة مشترياتك.