السبت 31/أكتوبر/2026 - 10:09 ص
في زحام محاولاتنا المستمرة لتوفير حياة أفضل لأبنائنا وحمايتهم من قسوة التجارب التي ربما مررنا بها، قد نقع دون أن ندري في فخ التربية المفرطة التي تصنع أصناماً صغيرة تعبد "الذات".
نربيهم على أنهم محور الكون، وأن كل ما يحيط بهم مسخر لخدمتهم وإرضائهم، متعهدين بتذليل كل العقبات من أمامهم حتى وإن كانت صانعة لشخصيتهم. وهنا تكمن البذرة الأولى لـ "النرجسية المرضية"؛ تلك السمة النفسية التي لا تقتصر أضرارها على الفرد وحده، بل تضرب في عمق النسيج المجتمعي وقيمه الأساسية.
فالطفل لا يولد نرجسياً، بل تصوغه الممارسات التربوية اليومية بدءاً من الإطراء المفرط وغير المبرر على كل صغيرة وكبيرة بغض النظر عن الجهد أو الاستحقاق، مروراً بإلغاء الحدود والمسؤولية وحمايته من أي شعور بالفشل أو منع تحمل عواقب أخطائه، وصولاً إلى تكريس ثقافة المظاهر والاحتفاء بالشكل والمكانة على حساب القيم الأخلاقية والإنسانية كالتعاطف والتواضع. هذا المناخ يغرس في عقله أنه كائن استثنائي وخارق، وأن القواعد وضعت لتطبق على غيره لا عليه.
وعندما تنشأ أجيال تقدس "الأنا" المطلقة، تتداعى المنظومة المجتمعية القائمة على التضامن والتكافل. فالشخصية النرجسية عاجزة بطبعها عن الشعور بالآخرين، لأن أوجاعهم لا قيمة لها طالما لا تتقاطع مع المصالح الشخصية، وهو ما يغذي الفردية الباردة ويفقد المجتمع روحه التضامنية. كما يتحول الفرد إلى مطالب شره بكل الحقوق والامتيازات مع تهرب تام من أي واجب تجاه وطنه أو مجتمعه، فضلاً عن انهيار ثقافة العمل الجماعي في المؤسسات وبيئات العمل نتيجة السعي الدائم لقطف ثمار جهد الآخرين ونسب النجاح للذات، مما يخلق بيئات محبطة وطاردة.
لذا، فإن حماية الأبناء من هذا الانزلاق تتطلب العودة إلى بوصلة التربية المتوازنة التي تربط الفرد بجماعته لا بعزلته، عبر ترسيخ مبدأ الاستحقاق مقابل الجهد، وإحياء قيمة الإيثار وخدمة المجتمع من خلال المبادرات والأعمال التطوعية التي تعلم أن السعادة الحقيقية تكمن في العطاء، إلى جانب تقبل النقد كأداة بناء والسماح بخوض التجارب والاعتذار عند الخطأ لتنمية النضج العاطفي والتواضع.
إن حماية أبنائنا من التحول إلى شخصيات نرجسية ليست مجرد قضية تربوية داخل الجدران الأربعة للمنزل، بل هي قضية أمن قومي مجتمعي؛ فالمجتمعات القوية تُبنى على سواعد أفراد يؤمنون بأنهم جزء من الكل، يعملون بروح الفريق، ويحملون همّ الجماعة إلى جانب همومهم الفردية. ولن يتحقق ذلك إلا بوعي يوازن بين بناء ثقة الطفل بنفسه، وتعليمه في الوقت ذاته حدود الاحترام والمسؤولية تجاه الآخرين.