رئيس مجلس الادارة م / محمود سيد عبد المولى
إعلان
مساحة إعلانية مميزة - تواصل معنا للإعلان
إعلان
مساحة إعلانية مميزة - تواصل معنا للإعلان
عاجل
إعلان
مساحة إعلانية مميزة - للإعلان لدينا اتصل بنا

انتصار المدينة فى مصر

محرر واقع مصر المصري اليوم - الخلاصات 04 نوفمبر, 2026
انتصار المدينة فى مصر
5 مشاهدات

المدينة ليست مبانى بل طريقة حياة، فهى حالة ذهنية ومجموعة من العادات والتقاليد، هكذا وصف روبرت بارك المدينة فى كتابه «المدينة» عام ١٩٢٥.. بعد ١٠٠ عام يمكننا أن نعلن انتصار المدينة فى المحروسة على يد جيل زد.

النمط الاجتماعى للمدينة يبدأ بتحول التعليم الجامعى إلى أولوية وليس ترفًا اجتماعيًا، ودخول سوق العمل الرسمية وغير الرسمية البعيدة عن النشاط الزراعى الكلاسيكى، وتبنى أنماط استهلاكية مغايرة، وصولًا إلى ارتداء ملابس أقرب لتلك المصممة لحركة المدينة السريعة، وتأجيل الزواج والبحث عن سكن خاص لتكوين أسرة، وإعادة تشكيل العلاقات الاجتماعية لصالح المصلحة على حساب العلاقات العائلية. كل ما سبق أصبح واقعًا فى أغلب بقاع الريف فى مصر، فقد انتصرت المدينة انتصارًا نهائيًا، وتحول مصطلح «ترييف المدينة» الكلاسيكى إلى «شاهد قبر» لعلم اجتماع السبعينيات والثمانينيات.

انتصار المدينة فى المحروسة ترجمته واضحة فى مشاهدة التحولات الاجتماعية المتسارعة فى المناطق الريفية بالوجهين البحرى والقبلى، مع إدراك أن سرعة التحولات فى الوجه البحرى أعلى بكثير من الوجه القبلى، لعدة عوامل ليس موضعها هذا المقال.

وفقًا لبيانات الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء، فإن نسبة سكان الريف فى مصر تبلغ ٥٧.٣٪ من إجمالى السكان فى بداية ٢٠٢٦. ويقطن الريف نحو ١٥ مليون أسرة بنسبة ٥٥.٧٪ من إجمالى الأسر المصرية. ولكن هذه النسب تعكس التقسيم الإدارى الكلاسيكى للمحروسة وليس الواقع الاجتماعى المعيش، حيث أرى أن نحو ٩٠٪ من المصريين، وخاصة من شباب جيل «زد» من كافة الطبقات الاجتماعية، يعيشون بالفعل واقعًا مدينيًا وحضريًا بامتياز.

وهنا يمكن الاقتباس من كتاب «ثروة المدينة» للكاتب الفرنسى هنرى لوفيفر، الذى اعتبر أن المجتمع يصبح متحضرًا بالكامل ليس عبر المسار الإحصائى، بل من خلال فحص النمط الاجتماعى، معتبرًا أن كل سكان العالم يعيشون واقعيًا فى المدن. ففى مصر، انتصار المدينة لا يعنى اختفاء الريف جغرافيًا، ولكن انتصار منطق المدينة الخاص بارتفاع معدل التنافسية والشره الاستهلاكى، وإعادة صياغة علاقات الأسرة والعلاقات الاجتماعية وفقًا لمنطق الحضر الخاص بالأسرة الصغيرة وتراجع الولاءات القبلية والعائلية القديمة.

إن حجم التغيير فى العلاقات الاجتماعية فى ريف مصر خلال ٢٠ عامًا كان أسرع من تطورات علم الاجتماع لدينا، فقد كان الواقع يركب قطارًا سريعًا بينما النظرية ما زالت تستعمل نفس العربة القديمة، فلم يلاحظ أحد تفكك العائلات الكبرى التى ناقشتها من قبل، أو تسارع معدلات تعليم البنات فى الريف، والانتقال المتسارع جدًا نحو الأسرة النووية الصغيرة على حساب العائلة الممتدة، وارتفاع معدلات التوظيف داخل سوق العمل التنافسية، وبالطبع الاستخدام المفرط للتكنولوجيا.

الريف أصبح حضرًا عبر ازدياد القدرة الاستيعابية للتنوع والتفاعل الاجتماعى المكثف، وهو ما ينعكس فى نمط العلاقات الاجتماعية فى جامعة مثل جامعة الزقازيق، التى تضم كتلة ضخمة من القادمين من ريف الشرقية، والذين شاهدت بنفسى كيف أن العلاقات الاجتماعية بين الشباب والشابات فى تلك الجامعة هى علاقات «حضرية» بامتياز، لا تتشابه إطلاقًا مع العلاقات الاجتماعية الريفية، ويقتصر التشابه فى استمرارية اللهجة الخاصة بريف الشرقية، حيث إن اللغة (اللهجة) تكون آخر شاهد على التحول الاجتماعى.

أبرز الشواهد على انتصار المدينة فى مصر هو سعى الشباب من جيل «زد» فى الريف بشكل مكثف وواضح للعيان للحفاظ على استقلاله الاجتماعى وصناعة فرديته فى مواجهة القوى التقليدية للمجتمع، مما أفرز نوعًا من صراع الأجيال المكتوم فى الريف المصرى.

لقد تحولت الثقافة المصرية إلى ثقافة حضرية، وهو ما يصنع صراعًا راهنًا بين هؤلاء القادمين من الخلفية الريفية ودخلوا حيز المدينة الواسع، والقابضين على الثقافة الحضرية التقليدية. فهذا يصنع ما يمكن وصفه بصراع نمطين حضريين فى نفس الحيز الثقافى والاجتماعى، مما يفرز ما وصفته برفض النخب لـ«الجماهير الغفيرة» التى كانت بعيدة قبل سنوات قليلة ولا تتداخل فى الصراعات الثقافية والاجتماعية، والتى قاد حضورها الكثيف الراهن إلى نوع من الاستقطاب الذى يمثل انتصار المدينة فى المحروسة مركز تأسيسه.

إعلان
مساحة إعلانية مميزة - للإعلان لدينا اتصل بنا