لندن - (د ب أ) نشر في: الخميس 5 نوفمبر 2026 - 10:24 ص | آخر تحديث: الخميس 5 نوفمبر 2026 - 10:24 ص
تؤكد المحللة والخبيرة في الشأن الإيراني، أنيسة بصيري تبريزي، أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران أحدثت تحولا جوهريا في نظرة طهران إلى روسيا، وفي تطور علاقات التحالف بين البلدين.
وتقول تبريزي، وهي زميلة مشاركة في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بـ"المعهد الملكي للشؤون الدولية" البريطاني(تشاتام هاوس) في تحليل نشره المعهد، إنه بعد أن كانت موسكو تُعد، من جانب بعض الأوساط في طهران، شريكا لا يمكن الاعتماد عليه، ويحقق مكاسب تفوق بكثير ما يقدمه مقابل الدعم الإيراني، "بات ينظر إلى روسيا بشكل متزايد باعتبارها شريكا مهما لضمان بقاء إيران عسكريا، وإعادة إعمارها بعد الحرب، وتعزيز قدرتها على الردع على المدى الطويل".
وشهد شهر أكتوبر الماضي ثلاثة لقاءات رفيعة المستوى بين كبار المسؤولين الإيرانيين والروس، عكست تنامي أهمية الشراكة بين البلدين. وأكد الجانبان عزمهما مواصلة التعاون الاقتصادي والاستثماري وتعميق العلاقات رغم تداعيات الحرب، وقال عراقجي: "لم يسبق في تاريخنا أن عملت إيران وروسيا معا بهذا القدر من التقارب كما هو الحال الآن".
وارتفع حجم التبادل التجاري بين البلدين بنسبة 4ر10% خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2026.
وأكد الرئيس الروسي التزام موسكو بمواصلة المشروعات المشتركة، ومن بينها محطة بوشهر للطاقة النووية.
وأعلنت شركة "روساتوم" الحكومية الروسية للطاقة النووية أنها ستزيد عدد العاملين في أعمال الإنشاء بالمحطة إلى 200 عامل، بعدما أجلت موظفيها إثر اندلاع الحرب.
وترى تبريزي أن اللافت في هذه اللقاءات "هو النبرة الإيجابية المتزايدة في التصريحات العلنية الصادرة عن كبار المسؤولين في مختلف مؤسسات السلطة السياسية والأمنية الإيرانية. ويشير ذلك إلى تحسن النظرة إلى القيمة الاستراتيجية لروسيا، وإن كان لا يعني بالضرورة حدوث تحول جذري في مواقف جميع صناع القرار الإيرانيين".
ويتناقض هذا الحماس مع الشكوك التي سادت في وقت سابق داخل طهران بشأن جدوى الاستثمار في موسكو باعتبارها حليفا. فقد ظلت قطاعات داخل القيادة الإيرانية تنظر إلى روسيا بريبة عميقة منذ فترة طويلة.
وازدادت الشكوك منذ أواخر عام 2022، عندما تساءلت بعض الأوساط في طهران عن حجم المكاسب التي حققتها إيران مقابل دعمها للحرب الروسية في أوكرانيا. فقد زودت إيران روسيا بآلاف الطائرات المسيرة، من بينها طرازا "شاهد-131" و"شاهد-136"، إلى جانب أشكال أخرى من المساعدات العسكرية.
شخصيات مؤثرة في طهران تشكك في جدوى التحالف الاستراتيجي مع موسكووتشير وثائق مسربة للعقود إلى أن روسيا وافقت على دفع نحو 290 ألف دولار مقابل كل طائرة مسيرة، ضمن صفقة لشراء 2000 طائرة "شاهد-136"، رغم أن مدى استكمال هذه المدفوعات لا يزال غير واضح. كما أفادت تقارير بأن إيران ساعدت في إنشاء منشآت إنتاج داخل روسيا، ما أتاح لموسكو تصنيع نسخة معدلة من هذه المسيرة الإيرانية، تحت اسم "غيران-2".
ورغم ذلك، لطالما شككت شخصيات مؤثرة في طهران في جدوى التحالف الاستراتيجي مع موسكو، حيث قال قائد سابق في القوات البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني: "هناك اعتقاد بأن روسيا سعت إلى جر إيران إلى تلك الحرب (في أوكرانيا)، حتى لا تجد نفسها وحيدة، وحتى تتزايد الضغوط الناجمة عن العقوبات على إيران."
وفي عام 2022، فرضت أمريكا والاتحاد الأوروبي عقوبات إضافية على إيران بسبب مبيعاتها من الطائرات المسيرة إلى روسيا. وخلال الزيارة السابقة التي قام بها لافروف لطهران في فبراير 2025، حذر معلقون إيرانيون من احتمال استخدام موسكو إيران ورقة مساومة في مفاوضاتها مع واشنطن بشأن أوكرانيا.
كما رأى منتقدو التقارب مع روسيا أن موسكو تحقق مكاسب غير متكافئة من الدعم الذي تقدمه لها طهران، دون أن تقدم في المقابل مساعدة مماثلة.دعم تعزيز التعاون
وتقول تبريزي، التي تقيم في أبوظبي: "يبدو أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية دفعت طهران إلى إعادة تقييم أهمية روسيا بالنسبة لها. وبحسب تقارير، قدمت موسكو لإيران معلومات استخباراتية عن المواقع العسكرية الأمريكية، وصوراً عبر الأقمار الصناعية للمساعدة في تحديد الأهداف، فضلاً عن مكونات للأسلحة".
وبحسب الخبيرة التي تقدم تحليلات للمخاطر السياسية والأمنية والتشغيلية في منطقة الشرق الأوسط، مع التركيز على السياسة الإيرانية والعراقية، والجغرافيا السياسية، والأمن الإقليمي، من الصعب تقييم التأثير الفعلي للدعم الروسي على مجريات المعارك. ورغم تصريح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأن موسكو وبكين لا تقدمان أي مساعدة لطهران، "تشير الأدلة إلى عكس ذلك".
ومن المرجح أن يكون هذا الدعم قد عزز موقف الأطراف داخل المؤسسة الأمنية الإيرانية التي دعت منذ فترة طويلة إلى توثيق العلاقات مع موسكو.تعزيز التعاون مع روسيا ضرورة استراتيجية.
وتشير التصريحات الإيجابية المتزايدة لكبار المسؤولين السياسيين، مثل بزشكيان وعراقجي، إلى أن تأييد تعزيز التعاون مع روسيا بات ينتشر على نطاق أوسع داخل الطيف السياسي الإيراني، بما في ذلك بين أولئك الذين كانوا يشككون في السابق في جدوى الاصطفاف الوثيق مع موسكو.
ومع إعطاء طهران أولوية خلال الأشهر المقبلة، لبقائها العسكري وتعزيز قدراتها على الردع وإعادة الإعمار، "من المرجح أن يُنظر بشكل متزايد إلى توثيق التعاون مع روسيا باعتباره ضرورة استراتيجية، وليس مجرد وسيلة للالتفاف على العقوبات ومقاومة الضغوط الغربية".
وترى الخبيرة والمحللة تبريزي، أنه على المدى القصير، يمكن أن تساعد المكونات الفنية ومكونات الأسلحة التي تقدمها روسيا إيران على الصمود في الصراع، من خلال الحفاظ على قدراتها التي تضررت بفعل شهور من الحرب. كما يمكن للخبرات الروسية أن تساعد طهران على إعادة بناء منظومات الدفاع الجوي، والبنية التحتية للصواريخ، والصناعات الدفاعية.
ومن شأن المعلومات الاستخباراتية الروسية أن تساعد القوات الإيرانية على تتبع التحركات والأصول العسكرية الأمريكية، والاستفادة منها في توجيه قراراتها العملياتية.
وسوف يكون للدعم الروسي أهمية خاصة حال تجدد التصعيد العسكري، "إذ يمكن أن يعزز قدرة إيران على توقع الهجمات، والحفاظ على قدراتها العسكرية، وفرض تكاليف على خصومها. ومع ذلك، فمن غير المرجح أن يؤدي هذا الدعم إلى تغيير جذري في ميزان القوى لمصلحة إيران".
وعلى المدى المتوسط، وبافتراض انتهاء الحرب، من المرجح أن يستمر التعاون الإيراني الروسي بهدف إعادة بناء القدرات العسكرية الإيرانية. ومن المتوقع أن يتركز هذا التعاون على مجالات الدفاع الجوي والطائرات المسيرة وتكنولوجيا الصواريخ.
وليس من المرجح أن يؤدي الدعم الروسي إلى تغيير جذري في ميزان القوى لمصلحة إيران.
ورغم أن قدرة روسيا على تلبية المطالب الإيرانية سوف تظل مقيدة بسبب حربها على أوكرانيا والضغوط التي تتعرض لها صناعتها الدفاعية، من شأن نقل التكنولوجيا والخبرات، حتى بصورة انتقائية، أن يساعد طهران على معالجة نقاط ضعفها وتسريع استعادة قدراتها الردعية.
أما على المدى الطويل، "فقد تتمثل النتيجة الأبرز في إضفاء طابع مؤسسي على التعاون العسكري بين إيران وروسيا. وسيظل صناع السياسات الإيرانيون على حذرهم إزاء ميل روسيا إلى إعطاء الأولوية لمصالحها الخاصة، فضلاً عن غياب أي ضمانة أمنية ملزمة من جانبها".
لكن من المرجح أن تصبح هذه العلاقة "محورا أساسيا بصورة متزايدة في التخطيط العسكري الإيراني مستقبلا، وعمليات شراء الأسلحة، والتعاون في مجال الصناعات الدفاعية. ومن شأن ذلك أن يعزز قدرة إيران على الصمود أمام الضغوط العسكرية والاقتصادية الأمريكية، وإن لم يكن عاملاً قادراً على إحداث تحول جذري في ميزان القوى".
وفي ختام التحليل، تقول تبريزي: "ربما لم تنجح الحرب في تحويل روسيا إلى ضامن أمني موثوق لإيران، لكنها قد تجعل موسكو عنصرا أكثر رسوخا واستمرارية في الاستراتيجية الأمنية لطهران. وهو ما سيجعل التراجع عن هذه الشراكة أكثر صعوبة، بغض النظر عمن يتولى السلطة في إيران".