رئيس مجلس الادارة م / محمود سيد عبد المولى
إعلان
مساحة إعلانية مميزة - تواصل معنا للإعلان
إعلان
مساحة إعلانية مميزة - تواصل معنا للإعلان
عاجل
إعلان
مساحة إعلانية مميزة - للإعلان لدينا اتصل بنا

من «لافندر» إلى «الإنجيل».. كيف تحول الذكاء الاصطناعي إلى شريك في إدارة الحروب وتنصل القادة من الجرائم؟

محرر واقع مصر واقع مصر 21 أكتوبر, 2026
من «لافندر» إلى «الإنجيل».. كيف تحول الذكاء الاصطناعي إلى شريك في إدارة الحروب وتنصل القادة من الجرائم؟
1 مشاهدات

أحمد عبدالحليم والشيماء أحمد فاروق نشر في: الأربعاء 21 أكتوبر 2026 - 12:47 م | آخر تحديث: الأربعاء 21 أكتوبر 2026 - 12:57 م

كشفت الحروب الأخيرة عن توسع استخدام الذكاء الاصطناعي عسكريًا، من تحليل المعلومات وتحديد الأهداف إلى إدارة العمليات وتنسيق التحركات الميدانية. ويثير هذا التوسع أسئلة بشأن دقة الاستهداف، وحدود الرقابة البشرية، والمسؤولية عن القرارات التي تؤدي إلى مقتل المدنيين، في ظل غياب إطار دولي شامل ينظم هذه الاستخدامات.

وتعتمد هذه التقنيات على جمع البيانات وتحليلها لاكتشاف الأنماط وترشيح الأهداف. ويعد مشروع «مافن» (Project Maven)، الذي أطلقته وزارة الدفاع الأمريكية عام 2017 لتوظيف الذكاء الاصطناعي والتعلم الآلي في الاستخبارات العسكرية، أحد أبرز أمثلة هذا التوجه. لكن سرعة معالجة المعلومات لا تضمن دقتها، خصوصًا عندما تكون البيانات غير مكتملة أو قديمة، أو عندما تتراجع قدرة القيادات البشرية على مراجعة النتائج.

نشر موقعا +972 Magazine وLocal Call في أبريل 2024 تحقيقًا استند إلى شهادات 6 ضباط استخبارات إسرائيليين شاركوا في استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي خلال الحرب على غزة.

وذكر التحقيق أن نظام «لافندر» (Lavender) استُخدم لتصنيف فلسطينيين باعتبارهم مشتبهًا في انتمائهم إلى الجناحين العسكريين لحركتي حماس والجهاد الإسلامي، وترشيحهم أهدافًا محتملة للغارات الجوية، بمن فيهم عناصر منخفضة الرتب.

وبحسب شهادات الضباط، صنف النظام ما يصل إلى 37 ألف فلسطيني باعتبارهم "مسلحين" مشتبهًا بهم خلال المراحل الأولى من الحرب، اعتمادًا على تحليل بيانات جُمعت عن سكان القطاع، البالغ عددهم نحو 2.3 مليون نسمة. وكان يمنح كل شخص درجة من 1 إلى 100 تعبر عن تقديره لاحتمال انتمائه إلى جماعة مسلحة، استنادًا إلى سمات أشخاص صُنّفوا مسبقًا.

وأشار التحقيق إلى اعتماد الجيش بدرجة كبيرة على نتائج النظام، من دون التحقق التفصيلي من أسباب تصنيف كل شخص أو مراجعة المعلومات الاستخبارية الأصلية في حالات كثيرة. وقال أحد المصادر إن الضباط كانوا يخصصون نحو 20 ثانية لمراجعة الهدف والتأكد من أنه ذكر، رغم معرفتهم بأن النظام يرتكب أخطاء في نحو 10% من الحالات، وفقًا للشهادات.

وأضاف التحقيق أن بعض المستهدفين تعرضوا للقصف داخل منازلهم ليلًا، أثناء وجود أسرهم، وأن الجيش سمح باستهداف مئات المنازل الخاصة لأشخاص منخفضي الرتب صنفهم النظام باعتبارهم ناشطين مشتبهًا بهم، رغم سقوط مدنيين وأسر بأكملها.

وتثير هذه الشهادات تساؤلات بشأن جدية المراجعة البشرية، إذ لا تكفي التقديرات الاحتمالية وحدها لتبرير استهداف شخص من دون مراجعة مستقلة للمعلومات والظروف المحيطة بالهجوم.

وبحسب تحقيق +972 وLocal Call، استُخدم نظام «أين أبي؟» (Where’s Daddy?) لتتبع مواقع بعض المستهدفين وتحديد وجودهم في منازل عائلاتهم، بما يساعد على اختيار توقيت الهجوم. وبينما يصنف «لافندر» الأشخاص ويرشحهم للاستهداف، يتابع «أين أبي؟» تحركات بعضهم وتوقيت وجودهم في مواقع معينة.

أما نظام «الإنجيل» (The Gospel)، الذي تناوله تحقيق آخر نشره الموقعان في نوفمبر 2023، فيُستخدم لتحديد المباني والمنشآت التي يزعم الجيش الإسرائيلي إن مسلحين يعملون فيها أو يستخدمونها لأغراض عسكرية. ويثير النظامان أسئلة عن دقة التصنيف، واحتمال تغير طبيعة استخدام الأشخاص أو المواقع بمرور الوقت، ومدى كفاية المراجعة البشرية قبل تنفيذ الهجمات.

وفي سبتمبر 2024، تناول تقرير لهيومن رايتس ووتش 4 أدوات رقمية مدعومة بالذكاء الاصطناعي استُخدمت في العمليات العسكرية بغزة: نظام لتتبع الهواتف المحمولة ومراقبة إجلاء الفلسطينيين من أجزاء من شمال غزة، و«الإنجيل» لتوليد قوائم بالمباني المرشحة للهجوم، و«لافندر» لتصنيف الأشخاص، و«أين أبي؟» لتحديد توقيت وجود بعض المستهدفين في مواقع معينة.

وحذرت المنظمة من مخاطر البيانات الخاطئة والتقديرات غير الدقيقة وما قد ينتج عنها من انتهاكات للقانون الدولي الإنساني، خاصة قواعد التمييز بين المدنيين والمقاتلين والتناسب واتخاذ الاحتياطات اللازمة لحماية المدنيين. ولا ترتبط هذه المخاطر بالخوارزميات وحدها، بل تشمل أيضًا تصميم الأنظمة والبيانات التي تستخدمها وطريقة اعتماد نتائجها.

في دراسة نشرها مركز دراسات المستقبل للأبحاث والدراسات المتقدمة بعنوان "AI Changes Little of the Basis of Military Strategy"، تناول الباحث محمد العربي تأثير الذكاء الاصطناعي في القرار العسكري، وأشار إلى أن جودة البيانات ودقتها وحداثتها من أبرز التحديات التي تواجه هذه التقنيات.

فقد يعتمد النظام على معلومات كانت صحيحة في وقت سابق لكنها لم تعد تعبر عن الواقع عند تنفيذ الهجوم، كأن يتغير استخدام موقع من عسكري إلى مدني بينما تظل البيانات القديمة مؤثرة في تصنيفه هدفًا محتملًا.

ويرى العربي أن قدرة الأنظمة على إعداد قوائم واسعة من الأهداف بسرعة لا تعني بالضرورة أن الاستهداف أصبح أكثر دقة. وقد تزيد هذه الأدوات مخاطر الخطأ إذا تراجع وقت المراجعة البشرية أو جرى الاعتماد على بيانات غير مكتملة. ومع غياب استراتيجية واضحة والتعثر الميداني، يمكن أن تتحول إلى وسيلة لتوسيع نطاق القصف تحت غطاء الدقة التقنية.

في فبراير 2025، نشرت وكالة أسوشيتد برس تحقيقًا أعده مايكل بيسيكر وسام ميدنيك وجارانس بيرك، تناول استخدام إسرائيل نماذج ذكاء اصطناعي تجارية طورتها شركات تكنولوجيا أمريكية خلال الحرب على غزة.

واستند التحقيق إلى مقابلات مع 14 موظفًا حاليًا وسابقًا في مايكروسوفت وأوبن إيه آي وجوجل وأمازون، وستة أعضاء حاليين وسابقين في الجيش الإسرائيلي، بينهم ثلاثة ضباط استخبارات احتياطيين.

وأشار التحقيق، إلى ارتفاع استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي التجارية بنحو 200 ضعف بعد هجمات 7 أكتوبر 2023. كما كشف عن عقد سري لمايكروسوفت مع الجيش الإسرائيلي بقيمة 133 مليون دولار، إلى جانب استخدام نماذج أمريكية الصنع عبر منصة الحوسبة السحابية Azure ضمن البنية الرقمية الداعمة للعمليات العسكرية.

وتوضح هذه الوقائع أن دور شركات التكنولوجيا امتد من توفير المعدات إلى الحوسبة السحابية وتخزين البيانات وتحليلها، فضلًا عن النماذج التجارية التي يمكن دمجها في المنظومات الاستخبارية.

ويرى محمد العربي أن شركات الحوسبة السحابية والتكنولوجيا الكبرى أصبحت جزءًا من البنية التقنية التي تعتمد عليها الجيوش، ما يوسع مفهوم «المجمع الصناعي العسكري» ليشمل ما يمكن تسميته «المجمع التكنولوجي الصناعي» (Technological-Industrial Complex).

ومع ذلك، يفرق العربي بين توفير الأدوات التقنية والسيطرة على قرار الحرب، الذي يظل مرتبطًا بالحسابات السياسية والعسكرية. لكن هذا الفرق لا يعفي الشركات تلقائيًا من المسئولية، إذ يتوقف تقييم دورها على طبيعة الخدمة التي تقدمها، ومدى تخصيصها للاستخدام العسكري، وعلم الشركة بالاستخدامات المتوقعة، وشروط المسؤولية القانونية.

في أكتوبر 2026، تناول تحقيق لرويترز نظام «نيكسوس» (Nexus)، الذي طورته شركة «إنتيليك» (Intelic) الهولندية لدمج بيانات الرادارات وأجهزة الاستشعار والكاميرات في منصة واحدة، بما يساعد القوات على رصد الأهداف وتصنيفها وتنسيق الاستجابة لها بسرعة أكبر.

وخلال تجربة أُجريت أواخر سبتمبر 2026 بقاعدة جوية هولندية سابقة قرب بحر الشمال، رصد النظام جسمًا طائرًا وصنفه تهديدًا محتملًا. ثم استخدمت طائرة استطلاع تقنيات التعرف على الصور للتحقق من طبيعة الهدف، قبل إطلاق مسيّرة اعتراضية لمحاكاة اعتراضه. وشهد الاختبار تدخلًا بشريًا لاتخاذ القرار النهائي، فيما قال موريتس كورثالز ألتس، الرئيس التنفيذي للشركة، إن النظام يمكن تطويره للعمل بصورة مستقلة بالكامل.

وحصلت الشركة على عقد بقيمة 30 مليون يورو من وزارة الدفاع الهولندية لتطوير قدرات الدفاع الجوي، كما افتتحت مكتبًا في كييف وبدأ إدخال النظام في العمليات الميدانية الأوكرانية، ليعمل إلى جانب نظام إدارة المعارك «دلتا» (Delta).

ووفقًا لرويترز، ارتفع الدعم الأوروبي المخصص للمسيّرات الأوكرانية من 400 مليون يورو عام 2022 إلى 1.2 مليار يورو عام 2025، ثم بلغ 1.6 مليار يورو خلال الأشهر الأربعة الأولى من عام 2026.

وتوضح تجربة «نيكسوس» كيف يسهم دمج البيانات في تحسين الوعي الميداني وتسريع الاستجابة، لكنها تطرح أيضًا مشكلة الوقت المتاح للتحقق من المعلومات عندما لا يفصل بين رصد التهديد واتخاذ القرار سوى ثوانٍ.

ويرى العربي أن دور الذكاء الاصطناعي يتركز أساسًا في معالجة البيانات ومساعدة متخذ القرار، خاصة على المستوى التكتيكي، لا في الاستغناء عن القيادة البشرية في وضع الاستراتيجيات. كما يشكك في قدرة التفوق التقني على تحقيق ردع حاسم ومستمر، لأن الخصوم يطورون وسائل مضادة ويتكيفون مع التقنيات الجديدة.

ويؤدي تسريع القرار، من دون أهداف سياسية وعسكرية واضحة، إلى سوء التقدير وإطالة أمد الاستنزاف. فلا تحسم حيازة أحدث الأسلحة، مثل مقاتلات «إف-35»، نتائج المعارك وحدها، إذ تتأثر النتائج بالجغرافيا وطبيعة الخصم والكتل السكانية والقدرة الاقتصادية على الصمود. كذلك لا يغني الذكاء الاصطناعي عن الاستخبارات البشرية (HUMINT)، المهمة لفهم تحركات الأفراد واختراق شبكات الخصم وتفسير ما يحدث في الميدان.

في سبتمبر 2026، نشرت شركة أنثروبيك "Anthropic" تقريرًا عن إساءة استخدام أنظمتها خلال الفترة من ديسمبر 2025 إلى أغسطس 2026. وقالت إنها رصدت ست حالات لاستخدام «كلود» (Claude) في أنشطة مرتبطة بتطوير الأسلحة أو جمع المعلومات اللازمة لها، توزعت بين ثلاث حالات في الصين، وحالتين في روسيا، وحالة في اليمن.

يرى محمد العربي أن ربط تفجيرات أجهزة البيجر في لبنان بالذكاء الاصطناعي يخلط بين التكنولوجيا المتقدمة والخوارزميات الذكية.

فبحسب تحليله، اعتمدت العملية أساسًا على الاستخبارات البشرية واختراق سلاسل التوريد، من خلال إنشاء شركة واجهة أو السيطرة عليها وتعديل العقود التجارية لتوريد أجهزة مفخخة إلى حزب الله. كما أن وقوع التفجيرات في توقيت متزامن لا يمثل في حد ذاته دليلًا على استخدام الذكاء الاصطناعي.

ويؤكد المثال أهمية التمييز بين الذكاء الاصطناعي وغيره من أشكال التفوق التقني والاستخباراتي لتحديد طبيعة القدرات المستخدمة والمسئوليات المرتبطة بها.

حذر د. أحمد الباز، محلل شئون الشرق الأوسط والخليج العربي، في تعليقه لصحيفة الشروق، من احتمال تحميل أنظمة الذكاء الاصطناعي مسئولية نتائج العمليات العسكرية التي تسفر عن سقوط أعداد كبيرة من المدنيين.

فقد يُقدم الهجوم الذي يسفر عن مقتل مدنيين باعتباره نتيجة خلل تقني، مع التعهد بإصلاح النظام. وفي هذه الحالة، يتحول النقاش من مساءلة أصحاب القرار إلى معالجة العطل البرمجي. ويرى الباز أن ذلك قد يمثل شكلًا من أشكال «غسل المسئولية» عبر الخوارزميات، خاصة مع غياب إطار أممي شامل ينظم استخدام الذكاء الاصطناعي عسكريًا.

ولا تقتصر المشكلة على الادعاء بأن النظام أخطأ، بل تشمل القرارات التي سبقت الخطأ، مثل الاعتماد على بيانات قديمة، أو تقليص وقت المراجعة، أو توسيع قوائم الأهداف، أو عدم التحقق من الظروف الميدانية. وفي أنظمة مثل «لافندر» و«نيكسوس»، يظل اعتماد النظام وتحديد صلاحياته واستخدام نتائجه مرتبطًا بقرارات بشرية ومؤسسية.

يرى محمد العربي أن الأطر الدولية لا تزال تواجه فجوات في تنظيم استخدام الذكاء الاصطناعي عسكريًا وتحديد المسئولية عن الأضرار الناتجة عنه، لكنه يؤكد أن الخطأ التقني لا يمثل في حد ذاته مبررًا لإعفاء المسؤولين عن قرارات الاستهداف من المساءلة.

ويمكن النظر إلى المسئولية من خلال 4 مستويات:

- مسئولية تصميم النظام وتطويره.- مسئولية جودة البيانات المستخدمة والتحقق منها.- مسئولية اعتماد نتائج النظام في القرار العسكري.- مسئولية تنفيذ الهجوم والإشراف عليه.

ولا تتحمل جميع الأطراف المسؤولية نفسها بالضرورة، إذ يتوقف ذلك على الوقائع والصلاحيات والالتزامات القانونية. كما أن وجود مراجعة بشرية لا يثبت وحده فاعلية الرقابة ما لم يكن لدى المراجع الوقت والمعلومات والصلاحية اللازمة للاعتراض على توصية النظام أو إيقاف العملية.

ويظل القانون الدولي الإنساني، بما يتضمنه من قواعد التمييز والتناسب واتخاذ الاحتياطات اللازمة لحماية المدنيين، أساسًا لتقييم الهجمات. ولا يلغي استخدام الذكاء الاصطناعي هذه الالتزامات، كما لا يعفي الخطأ البرمجي المسؤولين من المساءلة تلقائيًا.

ويرفض د. أحمد الباز التعامل مع القدرات البشرية والذكاء الاصطناعي باعتبارهما خيارين متعارضين. فالأنظمة الذكية تحتاج إلى الخبرة البشرية لتحقيق نتائج أفضل، وفي المقابل تساعد التقنيات الجديدة المحللين والقادة على التعامل مع كميات ضخمة من المعلومات.

ويظهر هذا التعاون في فرز البيانات الاستخبارية، ورصد الأنماط والتناقضات، واكتشاف إشارات الإنذار التي قد لا يلاحظها المحللون وسط تدفق المعلومات.

واستشهد الباز بما حدث قبل حرب أكتوبر 1973، حين أسهمت كثرة الإشارات والتحركات العسكرية في تكوين تقديرات خاطئة لدى القيادة الإسرائيلية والاستخبارات الأمريكية بشأن احتمال اندلاع الحرب. ويرى أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يساعد في تجاوز بعض هذه المشكلات عبر مقارنة المعلومات ورصد الاختلافات بين الأنماط، لكنه لا يضمن وحده الوصول إلى تقدير صحيح للموقف.

في المقابل، يحذر الباز من أن الاعتماد المستمر على الملخصات والتصنيفات والتوصيات الجاهزة قد يؤدي إلى تراجع الخبرة البشرية، ويضعف قدرة القادة على تكوين تقديرات مستقلة. ومع تكرار الاعتماد على نتائج النظام، قد تتراكم التحيزات الموجودة في توصياته، ويصبح متخذ القرار أكثر ميلًا إلى قبول المعلومات التي تؤيد تقديره الأولي وتجاهل ما يناقضه، وهو ما يعرف بالتحيز التأكيدي.

ولا يقتصر التأثير على كفاءة القرار، بل يمتد إلى بنية القيادة العسكرية نفسها. فبحسب الباز، ترتبط المكانة المعنوية للجنرالات وقادة الأركان، جزئيًا، بالصورة التي تتكون لدى الضباط الأصغر والجنود عن خبرتهم وقدرتهم على التخطيط وإدارة المعارك. وإذا بدا أن القرارات المهمة تصدر عن أنظمة الذكاء الاصطناعي، أو أن القيادة تعتمد على توصياتها من دون مراجعة مستقلة، فقد تتراجع الثقة في قدرات القادة ومكانتهم داخل المؤسسة العسكرية.

ويحذر الباز من أن استمرار هذا المسار قد يثير شكوك الضباط الأصغر في سلامة القرارات الصادرة عن القيادة العليا، بما قد يؤثر في تماسك سلسلة القيادة والاستجابة للأوامر في الميدان. ولا يعني ذلك أن استخدام الذكاء الاصطناعي يؤدي حتمًا إلى العصيان أو انهيار الثقة، لكن الخطر يظهر عندما تتحول الأداة التي يفترض أن تساعد القيادة إلى بديل عن الخبرة البشرية، فتضعف قدرة القادة على التقدير المستقل وثقة الآخرين في قراراتهم.

ومن هنا، لا تقتصر الرقابة البشرية على وجود ضابط يراجع توصية النظام قبل تنفيذها، بل يجب أن تتوافر لديه المعلومات والوقت والصلاحية اللازمة لفحص أسباب التوصية، والتحقق من البيانات الأصلية، ومقارنة البدائل، ورفض النتائج أو إيقاف العملية عند الضرورة.

فالتعاون بين الإنسان والآلة يعني أن تساعد التقنية في تحسين الحكم البشري، لا أن تضعفه أو تنقل مسئولية القرار إلى الخوارزمية.

إعلان
مساحة إعلانية مميزة - للإعلان لدينا اتصل بنا