رئيس مجلس الادارة م / محمود سيد عبد المولى
إعلان
مساحة إعلانية مميزة - تواصل معنا للإعلان
إعلان
مساحة إعلانية مميزة - تواصل معنا للإعلان
عاجل
إعلان
مساحة إعلانية مميزة - للإعلان لدينا اتصل بنا

نهاية الحلم الأوروبى

محرر واقع مصر المصري اليوم - الخلاصات 26 أكتوبر, 2026
نهاية الحلم الأوروبى
1 مشاهدات

الأزمة الأوروبية، التى تعتمل تحت السطح منذ عقود، انفجرت فى الأسابيع الأخيرة مظاهرات وعنفاً فى الشوارع وتخريباً وشغباً يقوده المراهقون فى حواضر مثل باريس وميلانو. جوهر الأزمة هو التالى: تشكل أوروبا ١٢٪ من سكان العالم، وتسهم بـ ٢٥٪ من إجمالى الناتج العالمى، فيما تُنفق ٦٠٪ مما ينفقه العالم كله على الرعاية الاجتماعية! المشروع الأوروبى الذى قام على منظومة «اقتصاد السوق الاجتماعية» أو «الاشتراكية الديمقراطية» أو «دولة الرعاية».. وصل إلى محطته الأخيرة، حيث صار الاستمرار فى نفس الطريق مستحيلاً. العقد الاجتماعى والسياسى فى أغلب دول أوروبا الغربية تآكل حد الانهيار. مظاهرات الشوارع، وصعود اليمين المتطرف، والتخبط السياسى، والانكشاف الأمنى أمام روسيا، والعجز عن التعامل مع ظاهرة الهجرة.. كلها لا تعدو أن تكون مظاهر كاشفة، وأعراضاً مؤلمة لانهيار هذا العقد وتحطمه كزجاجة كسرها لا يُجبر!.

عاش جيلان على الأقل فى نعيم دولة الرعاية الأوروبية منذ السبعينيات. الناتج المحلى الكبير أتاح إنفاقاً سخياً على الصحة والتعليم ومزايا اجتماعية واسعة. المواطن العادى شعر بالازدهار. ارتفع مستوى معيشته، وصار بإمكانه أن يتوقع مستوى معيشة أفضل للأبناء فى ظل هذا العقد الاجتماعى الناجح. على أن الدنيا لا تبقى على حال، والأيام دول. الازدهار الأوروبى ارتكز على قاعدة صناعية وتصدير كبير وعالى القيمة أتاح للدولة أن تُنفق على المزايا الاجتماعية، وبالتالى الحفاظ على العقد الاجتماعى القائم. تغير هذا بالتدريج مع تغيرات فى هيكل الاقتصاد العالمى فشلت أوروبا فى مواكبتها.

منذ بداية الألفية، صار واضحاً أن الإنتاجية الأوروبية تتراجع. ليس من الصعب ملاحظة ضعف نصيب أوروبا فى الاقتصاد الجديد. لم تُسهم أوروبا بنصيب يُذكر، مثلاً، فى ثورة الذكاء الاصطناعى. لم تعد أوروبا أرضاً للابتكار فى العلم أو الأفكار الاقتصادية البراقة. صارت، شيئاً فشيئاً، أقرب ما تكون إلى مُتحف رائع يحكى عظمة التاريخ، بينما يُبحر الحاضر والمستقبل نحو مرافئ أخرى.

خضعت أوروبا لدورة خلدونية تقليدية دون أن تدرى. استراح الأوروبيون إلى مجتمع الرفاهية والرعاية. تكاسلوا، أو تغافلوا عن قراءة التغييرات المتسارعة من حولهم. الاستكانة والراحة، وانعدام الشعور بالتهديد (تحت المظلة الأمريكية)، أو الرغبة فى التغيير ولدت أفكاراً اجتماعية وسياسية لا علاقة لها بالواقع المعيش. أغلقت ألمانيا محطاتٍ نووية تحت ضغط الخُضر لتجد نفسها خاضعة كُلياً للغاز الروسى. صارت أوروبا أكثر اعتماداً على الآخرين فى الحصول على الطاقة. أصبحت أسعار الكهرباء فى بريطانيا هى الأعلى فى الغرب الصناعى، وبالتالى تراجعت صناعة الصلب (وهى أساسية للصناعات العسكرية). أصبحت أوروبا فى حال انكشاف عسكرى وطاقوى لا ينسجم مع تاريخها كقوة كُبرى غيّرت الدنيا وشقت طريق الحداثة والتصنيع والعلم.

على أن التحدى الرئيسى الذى يواجه هذه القارة يظل اجتماعياً سياسياً فى جوهره. ليس صدفةً أن أغلب المتظاهرين فى الحواضر الأوروبية اليوم هم من الشباب. هؤلاء يشعرون شعوراً عميقاً بألا مستقبل أمامهم. إيجارات المساكن تلتهم المرتبات. تكلفة العيش تجعلهم يعيشون على الكفاف فى الوقت الذى عاش فيه آباؤهم وأجدادهم حياة أفضل وأسهل فى ظل دولة رعاية سخية. ولا يجد هؤلاء أمامهم سبيلاً لتنفيس الغضب والمخاوف سوى الشارع. ثمة أزمة جيلية لا تخفى كذلك. دولة الرعاية الأوروبية تظل سخية على نحو استثنائى تجاه أرباب المعاشات وكبار السن. هذه، فى الواقع، من فضائل الحياة الأوروبية المعاصرة. على أن المجتمع يشيخ، ومعدلات العمر ترتفع. من يدفع تكلفة الرعاية والصحة لكبار السن هم أجيال الشباب فى سن العمل. هذا شرخٌ آخر خطير فى العقد الاجتماعى القائم.

الأحزاب التقليدية فشلت فى تقديم حلٍ للأزمة الممتدة (تآكل العقد الاجتماعى وتفسخه). تأمّل ما فعله «ماكرون» طوال عشر سنوات. هو، فى واقع الأمر، لم يفعل شيئاً تجاه هذه الأزمة. أدار الأمور كما هى حيث لم يعد ممكناً أن تستمر كما هى. ظل يتحسس خطواته متحسباً من انفجار الشارع، حتى انفجر الشارع على نحو عنيف وصادم. ليس مفاجئاً، والحال هكذا، أن يتجه الجمهور إلى أقصى اليمين وأقصى اليسار. فى الانتخابات القادمة ستنحصر الاختيارات فى الجولة الأخيرة فى الأغلب بين «ميلونشون»، اليسارى الذى يُشجع التظاهرات، و«مارين لوبن» اليمينية المتطرفة التى تعطيها الاستطلاعات أولوية متقدمة. ليس لدى أى منهما حلٌ جذرى للأزمة الممتدة التى تعانى منها البلاد. كلاهما تعهد بالحفاظ على نظام الرعاية القائم، والذى ثبت أن مالية البلاد غير قادرة على تحمله، لا سيما بعد أن زادت تكلفة الاقتراض وصارت فرنسا على أعتاب أزمة ديون خطيرة.

أحزابُ اليمين بالذات أفادت من ظاهرة أخرى ارتبطت بالأزمة الأوروبية المركبة: الهجرة. فى جميع الدول الأوروبية، وباستثناءات قليلة، نجد أن أكبر الأحزاب التى تحتل المرتبة الثانية من حيث الكتلة التصويتية هى أحزاب أقصى اليمين (أو اليمين المتطرف). القضية الأساسية التى تجمع هذه الأحزاب هى الهجرة، أى تزايد أعداد المهاجرين وما خلقه ذلك من مخاوف متنوعة لدى المواطنين الأصليين. ليس سراً أن الهجرة من البلدان الإسلامية هى الهدف الأول لهذه الأحزاب. وليس سراً كذلك أن المخاوف لدى السكان تنبع من شعور متزايد بخسارة الهوية الأوروبية الخالصة. أحزاب اليمين تُعبر عن هذه المخاوف، وأحياناً تغذيها وتُضخمها. على أن المخاوف حقيقية فى معظم الأحيان ولها ما يُبررها.

سياسات الهجرة الأوروبية هى التى أفضت إلى هذه النتيجة. لم تُميز أوروبا بين ظاهرتين لا علاقة بينهما تقريباً: اللجوء الإنسانى والهجرة الاقتصادية. الخلط بين الأمرين أنتج أعداداً هائلة من المهاجرين الذين لا يحتاجهم سوق العمل. وبعكس الولايات المتحدة التى يُجبر اقتصادها المهاجرين على العمل والاندماج، فإن الهجرة إلى أوروبا ترتبط بسعى لدى المهاجرين للاستفادة من المزايا الاجتماعية السخية، كإعانات البطالة والنظام الصحى والتعليمى وغيره. وبعكس الولايات المتحدة أيضاً، لا تسير سياسات الاندماج على نحو جيد. الكثير من أبناء الجيل الثانى والثالث من المهاجرين مازالوا لا يعرفون أنفسهم كفرنسيين أو إيطاليين أو إنجليز. التوتر الذى تُثيره أعداد المهاجرين داخل المجتمعات يرتبط أيضاً بارتفاع تكلفة المعيشة وشعور المواطنين بأن المهاجرين يزاحمونهم فى الحصول على المزايا الاجتماعية. تظل أحزاب اليمين هى المستفيد الأول من مشاعر الغضب هذه.

محصلة الأزمة الأوروبية أن الحلم الأوروبى كما عرفناه فى السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات قد ذهب إلى غير رجعة. أوروبا ليست أرضاً خراباً بالتأكيد. هى موطن لحضارة راسخة ونظمها التعليمية تظل من الأفضل عالمياً. على أن المستقبل لا يبدو أوروبياً، خاصة إن لم يمتلك الأوروبيون شجاعة تحويل الدفة وتغيير المسار.

إعلان
مساحة إعلانية مميزة - للإعلان لدينا اتصل بنا