تمارس باكستان دورًا جديدًا وغير مسبوق لها في الشرق الأوسط كوسيط في المحادثات بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، بهدف التوصل إلى اتفاق ينهي الحرب الدائرة منذ أكثر من ثمانية أشهر، وهو دور ما كان له أن يتحقق دون دعم الإدارة الأمريكية له.ويمكن القول إن دور الوسيط الذي تقوم به باكستان هو أحد مظاهر عملية إعادة تموضع reposition لمكانة باكستان في التفاعلات الأمنية في الشرق الأوسط، بحيث يتم تقديمها للمنطقة كدولة ارتكاز anchor state تستطيع أن تمنع تصاعد الصراعات المسلحة وأن تمارس نوعًا من الضمان للاستقرار في الإقليم بما يحقق المصالح الأمريكية.وهناك أبعاد أخرى لعملية إعادة التموضع هذه، منها دعوة الإدارة الأمريكية لإسلام آباد للانضمام لعضوية مجلس السلام الخاص بغزة 2026 وللمشاركة في قمة السلام في شرم الشيخ 2025، كما لم تعترض واشنطن على توقيع باكستان اتفاق التعاون الدفاعي مع السعودية في 2025.ومع اندلاع الحرب ضد إيران، تسارعت عملية تعزيز هذه المكانة الجديدة لباكستان، حيث قبلت الولايات المتحدة الأمريكية في 22 مارس 2026 بقيام باكستان بدور الوسيط في المحادثات مع إيران لوقف الحرب، وتم من خلالها إرسال مقترح النقاط الخمس عشرة لطهران لإنهاء الحرب في 24 مارس 2026.الملاحظ أن واشنطن لم تتح فرصة مماثلة لقطر وعمان اللتين دعمتهما من قبل كدول وسيطة في كثير من الملفات الأمنية في المنطقة خلال الفترة الماضية، سواء فيما يتعلق بالبرنامج النووي الإيراني خلال الفترة 2003 وحتى ما قبل اندلاع حرب 2026، أو فيما يخص حرب إسرائيل على قطاع غزة 2023-2025، أو فيما يتعلق بوضع طالبان في أفغانستان. وذلك رغم علاقتهما القوية بإيران. كما أنه حين سعت تركيا لتفعيل دور قطر كوسيط في حرب إيران في 3 أبريل 2026 أعلنت قطر رفضها القيام بهذا الدور.تساعد نظرية الأمن الإقليمي المركب Regional Security Complex التي طورها باري بوزان Barry Buzan وأولي فيوير Ole Weaver في تفسير تفضيل باكستان كوسيط من جانب الإدارة الأمريكية، حيث تشير النظرية إلى أنه من أهم شروط تمتع أي دولة بمكانة regional anchor state هو امتلاكها قدرة على استعراض القوة لمنع الفوضى في الإقليم المجاور لها وتحقيق الاستقرار فيه.وفي ضوء ذلك يمكن ذكر عدة عوامل تفسير السياسة الأمريكية، ومنها علاقة باكستان القوية مع إيران دبلوماسيًا وأمنيًا والتي لم تضعفها حرب 2026، فعلى سبيل المثال سبق إعلان واشنطن رسميًا كون باكستان الوسيط في المحادثات مع إيران تمتع باكستان بضمانات من إيران لتمكين السفن وناقلات النفط التي تحمل علمها من عبور مضيق هرمز دون تعرضها لأي تهديدات، وذلك في الوقت الذي أعلنت فيه إيران إغلاق المضيق بشكل كامل في مواجهة أي ناقلات وسفن للدول الحليفة أو الداعمة للولايات المتحدة وإسرائيل في الحرب التي تخوضها ضدها، وكثفت هجماتها الجوية على دول الخليج بما في ذلك التي ترتبط معها بعلاقات خاصة مثل قطر والإمارات وعمان.كذلك يمكن تفسير ذلك بما تمتلكه باكستان من قوة عسكرية تمكنها من المساهمة في تنفيذ مبدأ "مشاركة الأعباء مع الحلفاء"، الوارد في استراتيجية الأمن القومي الأمريكي 2025، من خلال المساهمة في تحمل جزء من الأعباء الخاصة بحماية دول الخليج ودعمهم عسكريًا نيابة عن واشنطن وفي إطار القيود التي تفرضها الإدارة الأمريكية لمثل هذا الدعم، سواء من خلال اتفاقيات تعاون عسكري ثنائي، أو عن طريق التحالفات الدفاعية متعددة الأطراف، وذلك في مقابل حصول باكستان على عائد مالي يساعدها على تخطي الأزمات الاقتصادية التي تمر بها.فعلى سبيل المثال، أبرمت باكستان اتفاقًا عسكريًا مع السعودية في سبتمبر 2025، وبموجب هذا الاتفاق قامت منذ أبريل 2026 بنشر آلاف القوات العسكرية ومعدات عسكرية في داخل الأراضي السعودية تضم طائرات JF-17، وطائرات مسيرة، ونظام الدفاع الجوي الصيني HQ-9، وتمول الحكومة السعودية تكاليف نشر هذه القوات في حين تتولى القيادات العسكرية الباكستانية تشغيلها، وهو يما يمثل نقلة كبيرة في نوعية القوات الباكستانية التي توجد في السعودية بموجب اتفاقات مبرمة خلال السنوات الماضية والتي كانت ذات طبيعة استشارية وتدريبية.كما أبرمت باكستان "اتفاق مكة" مع السعودية وتركيا في أغسطس 2026، ولم يتم الإعلان عن دخوله حيز النفاذ بعد في التصدي للهجمات التي تنفذها الجماعة الحوثية على السعودية منذ أكتوبر 2026. ويتضمن نص الاتفاق التزام الأطراف بالدفاع عن أي طرف يتعرض لتهديد "بكل الوسائل الممكنة" وذلك بعد التشاور بينهم وتقييمهم لطبيعة التهديد، كما ينص على التعاون الاستخباراتي وتقديم الدعم اللوجستي في أوقات السلم والحرب. وعلى التطوير والتصنيع التكنولوجي المشترك، وتدريب الكوادر العسكرية.وأيضًا أعلنت الكويت في 27 أغسطس 2026 عن توقيع اتفاق يوسع اتفاق التعاون الدفاعي الموقع مع باكستان في 2023، ليشمل تعزيز التنسيق العملياتي، وتبادل الخبرات، وتكامل القوات المسلحة بين البلدين.بالإضافة إلى ذلك، وقعت باكستان في 21 أكتوبر 2026 مذكرة تفاهم "بدر" مع كل من قطر وإندونيسيا وتركيا ليركز على الصناعات العسكرية والتدريب العسكري في مسعى لإنشاء قاعدة تصنيع لنظم دفاع مشتركة بين الدول الأربع.واكتمال تعزيز هذه المكانة الجديدة لباكستان يتطلب دعمًا إقليميًا لها من جانب دول الشرق الأوسط، وهو ما يتحقق من خلال رغبة دول المنطقة في إبرام اتفاقات دفاعية معها كما في حالة قطر والكويت، وأيضًا من خلال آلية الرباعية الإقليمية R4 التي تضم إلى جانب باكستان كلًا من مصر وتركيا والسعودية والتي تهدف لإضفاء شرعية إقليمية على الدور الدبلوماسي لباكستان في إنهاء الحرب رغم أنه لم يحقق أي شيء ملموس بعد، وكذلك سعي قطر مؤخرًا لتوظيف علاقاتها مع إيران لدعم جهود الوساطة التي تقوم بها باكستان وليس تقديم نفسها كوسيط مستقل عن باكستان، وذلك رغبة في التوصل لتسوية للحرب قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس الأمريكي 3 نوفمبر 2026.وتظل مسألة استدامة هذا الدور الجديد لباكستان في الفترة التالية على حرب إيران تكتنفها تحديات عديدة، فبشكل عام تواجه دول الارتكاز تحديات عدة منها تحملها أعباء كبيرة في سياستها الخارجية على نحو قد يهدد استقرارها الداخلي خاصة أن باكستان تمر بعديد من الأزمات الداخلية، كما أن فعالية دورها تتوقف على السياق والقضية التي تتصدى لها فعلى سبيل المثال نجاح باكستان في الوساطة بين إيران وواشنطن والتوصل لاتفاق ينهي الحرب لا يعني بالضرورة نجاحها في الوساطة في ملفات أخرى، أيضًا قد ينتج عن دعم القوى الدولية لها إضعاف دور دول أخرى في الإقليم لها أهمية استراتيجية حيث عادة ما تسعى القوى الدولية لاحتواء تأثير تلك الدول ذات الأهمية الاستراتيجية من خلال دول الارتكاز التي تعترف بها.
جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع