الثلاثاء 27/أكتوبر/2026 - 11:26 ص
لا يقتصر استفادة أغنى الأشخاص في العالم على تحقيق الأرباح من الأنشطة الملوثة التي تتسبب في تفاقم أزمة المناخ، بل يمتد أيضًا إلى الاستفادة المتزايدة من عواقبها الكارثية، وفقًا لدراسة أجرتها منظمة أوكسفام الدولية المستقلة.
ووجدت المنظمة الدولية المعنية بالمساواة وفق ما ذكرته صحيفة (الجارديان) البريطانية، أن أغنى 0.1% من سكان العالم يستثمرون بكثافة في قطاعات الاستعداد للكوارث والتعافي منها وإعادة الإعمار، وهي سوق يُتوقع أن تنمو من 70 مليار دولار إلى 92 مليار دولار سنويًا بحلول عام 2029.
وأوضحت المنظمة غير الحكومية ان ذلك يمنح أغنى الأشخاص وأكثرهم نفوذًا في العالم "عائدًا مزدوجًا" من أزمة المناخ، ويخلق، على نحو أكثر إثارة للقلق، حافزًا لتأخير الجهود الرامية إلى حل المشكلة أو عرقلتها.
كما يؤدي ذلك إلى تفاقم عدم المساواة عالميًا، إذ ينتهي الأمر بالفئات الأقل مسؤولية عن الاحتباس الحراري إلى دفع الأموال للفئات الأكثر مسؤولية عنه، سواء من خلال ارتفاع أسعار الغذاء، أو إصلاح المنازل التي تضررت بسبب الظواهر الجوية المتطرفة، أو الانتقال إلى مناطق أخرى.
واتهمت جين ماكلين، مسؤولة التأثير والمناصرة الرئيسية في أوكسفام، المليارديرات بتحويل الفوضى إلى مصدر للربح؛ وقالت: "يستفيد الأثرياء للغاية من طرفي الأزمة؛ أولًا، من خلال مواصلة الاستثمار في الصناعات الملوثة، وثانيًا، عبر الاستثمار في اقتصاد التكيف المزدهر، إذ تُباع خدمات التعافي وإعادة البناء مجددًا إلى عالم تزداد حرارته".
وأضافت: "تتحمل الفئات السكانية التي أسهمت بأقل قدر في أزمة المناخ أسوأ عواقبها، في حين يمتلك المتسببون فيها أفضل الإمكانات لحماية أنفسهم".
وذكر التقرير أن أغنى 0.1% من سكان العالم، وهي مجموعة تضم 8 ملايين شخص، مسؤولون عن انبعاثات كربونية تفوق إجمالي انبعاثات أفقر 3.5 مليار شخص مجتمعين.
ونتيجة لذلك، يُقال إن مساهمة هذه المجموعة في موجات الحر الشديد تعادل 125 ضعف مساهمة الشخص العادي.
ويرتبط ذلك جزئيًا بأنماط الحياة؛ فالطائرات الخاصة في العالم، على سبيل المثال، تطلق خلال ثانيتين كمية من ثاني أكسيد الكربون تفوق ما ينبعث من معظم سكان العالم خلال عام كامل. لكن التأثير الأكبر لهذه المجموعة يأتي من استثماراتها.
ويحدد مؤشر جديد أعدته أوكسفام تحت اسم "مؤشر التدمير وإعادة البناء" 217 شركة إما تسهم في تفاقم أزمة المناخ، أو تمارس أنشطة تجارية في مجال التكيف مع آثارها، من خلال توفير أجهزة التبريد والحواجز المضادة للفيضانات ومعدات مكافحة الحرائق ووسائل النقل والغذاء والتأمين والقروض.
وحققت هذه الشركات العام الماضي أرباحًا بمتوسط 1.8 مليار دولار، ووزعت مليار دولار من الأرباح على المساهمين؛ وتضم القائمة أيضًا 6 شركات كبرى لإدارة الأصول تقدم المشورة للمستثمرين الأثرياء، ولديها استثمارات كبيرة في شركات أخرى مدرجة بالمؤشر.
وأضافت دراسة أوكسفام إن شركتي بلاك روك وفانجارد، وهما من أكبر شركات إدارة الأصول، تمتلكان حصصًا في 92% من الشركات المدرجة بالمؤشر، بقيمة إجمالية تتجاوز تريليون دولار.
وبالمثل، أشارت المنظمة إلى أن الأزمات الناجمة عن الظواهر الجوية المتطرفة أو الحروب أدت عادة إلى زيادة أرباح شركات تجارة الغذاء الكبرى التي يهيمن عليها مليارديرات، ارتفعت ثرواتهم بمقدار 120 مليار دولار منذ عام 2020.
وأضافت أوكسفام أن تعرض المحاصيل للجفاف أو الفيضانات أو العواصف يؤدي إلى ارتفاع أسعار الغذاء، وهو ما يصب في الغالب بصورة غير متناسبة في مصلحة الشركات الكبرى ومستثمريها، على حساب صغار المنتجين والمستهلكين العاديين.
واستشهدت المنظمة بارتفاع أسعار الكاكاو بنسبة 231% عقب الظواهر الجوية المتطرفة في غرب إفريقيا خلال عام 2024، مشيرة إلى أن المزارعين المحليين لم يحصلوا على أي مكاسب من هذه الزيادة.
وتترتب على هذا التفاوت عواقب بشرية أيضًا، وأشارت أوكسفام إلى أن الانبعاثات السنوية لأغنى 1% من سكان العالم ستتسبب في 1.9 مليون وفاة إضافية بسبب الحرارة، استنادًا إلى تقديرات التأثيرات على صحة الإنسان والإنتاجية الزراعية وارتفاع مستوى سطح البحر.
ومن المتوقع أن تحدث أكثر من ثلاثة أرباع هذه الوفيات في البلدان منخفضة ومتوسطة الدخل، التي تتحمل مسؤولية أقل بكثير عن الأزمة، إذ لا تتجاوز مساهمتها 8% من الانبعاثات.
وتتمتع الدول الغنية والأفراد الأثرياء بقدر من الحماية من أزمة المناخ، على الأقل في الوقت الراهن، لأنهم أكثر قدرة على تحمل ارتفاع أسعار الغذاء، وبناء منازل أكثر متانة، وتمويل عمليات الإجلاء الطارئة والرعاية الصحية الخاصة والأمن الشخصي.
وقالت أوكسفام إن ذلك يقلل من احتمالات استخدام هذه الفئات نفوذها الكبير في الضغط على صانعي السياسات لدعم التحرك المناخي، بل قد يشجعها على إبطاء أو عرقلة خفض الانبعاثات إذا كان من شأنه التأثير على ثرواتها الشخصية.
وأضافت المنظمة أن بعض هذه الجهات تستغل الكوارث للدفع نحو خصخصة الخدمات أو تشجيع الدول الفقيرة على الحصول على القروض.
وقال أليكس ميتلاند، أحد المؤلفين الرئيسيين للتقرير، إن الأثرياء للغاية ليسوا مجرد مستفيدين سلبيين من أزمة المناخ.
وأضاف: "هذا أمر متعمد. وعندما نأخذ نفوذهم السياسي في الاعتبار، فإن ذلك يقدم أدلة دامغة إلى حد كبير على قدرتهم على توجيه ما يحدث".
وتطالب أوكسفام بفرض ضرائب أعلى على الأثرياء والطائرات الخاصة وشركات النفط والغاز والشركات الملوثة. كما تدعو المنظمة الحكومة البريطانية إلى تحسين التزاماتها المتعلقة بتمويل المناخ الدولي، بالاعتماد على المنح بدلًا من القروض، وإنهاء تحقيق الأرباح من الكوارث المناخية.
وقالت نافكوتي دابي، مسؤولة سياسات تغير المناخ في منظمة أوكسفام الدولية: "ما يجعل الحديث عن تغير المناخ معقدًا هو أن الجميع يحبون الاعتقاد بأنه مشكلة مشتركة، لكنه ليس كذلك. إن معالجة أزمة المناخ أمر بسيط للغاية: فرض قيود على الأثرياء الأكثر ثراءً، والحد من نفوذهم وانبعاثاتهم، وفرض الضرائب على ثرواتهم".