ليست أخطر الهزائم تلك التي تُسجلها كتب التاريخ، بل تلك التي تستقر في عقول البشر حتى تُقنعهم بأن واقعهم لا يمكن تغييره؛ فالأمم لا تنهض لأنها لم تعرف الانكسار، وإنما لأنها رفضت أن تجعل من الانكسار مصيرًا، والشجاعة الحقيقية ليست اندفاعًا بلا بصيرة، بل قدرة على مواجهة الحقيقة، ومراجعة الأخطاء، واتخاذ القرار حين يصبح الاستمرار في الطريق ذاته أكثر خطورة من تغييره.
ولننظر إلى الصين، تلك الدولة التي عانت خلال القرن العشرين من الحروب والفقر والاضطرابات، ثم شهدت تحولًا اقتصاديًا هائلًا؛ ففي عام 1978 بدأت سياسة الإصلاح والانفتاح بقيادة دنغ شياو بينغ، بعد سنوات من الاضطرابات التي أثرت في الاقتصاد والتعليم والإنتاج، ولم يكن التحول مجرد تغيير في الشعارات، بل مراجعة لأساليب العمل والإدارة، وتشجيعًا للاستثمار والتصنيع والتجربة الاقتصادية، وفي عام 1980 بدأت إقامة مناطق اقتصادية خاصة، من أبرزها مدينة شنتشن، التي تحولت لاحقًا إلى مركز صناعي وتكنولوجي عالمي، وتشير تقديرات البنك الدولي إلى أن الصين نجحت، خلال أربعة عقود، في انتشال نحو 800 مليون إنسان من الفقر المدقع؛ فهل كانت تلك النهضة ممكنة لو اعتُبر
ولم تكن مصر بعيدة عن دروس التاريخ؛ ففي عهد محمد علي باشا، خلال القرن التاسع عشر، شهدت البلاد محاولات واسعة لتطوير الصناعة والتعليم والجيش، وإرسال البعثات العلمية إلى أوروبا للاستفادة من المعارف الحديثة، ورغم ما صاحب تلك التجربة من تحديات وتكاليف، فقد جسدت إدراكًا مبكرًا بأن قوة الأمم لا تُبنى بالأمنيات، وإنما بالعلم والإنتاج والتنظيم.
ثم جاءت نكسة الخامس من يونيو عام 1967، لتضع مصر أمام اختبار تاريخي بالغ القسوة، لكن الهزيمة لم تكن نهاية الطريق؛ فقد أعقبتها سنوات من إعادة البناء والتدريب وحرب الاستنزاف، وصولًا إلى عبور السادس من أكتوبر عام 1973، ولم يكن العبور مجرد لحظة شجاعة عسكرية، بل ثمرة إعداد وتخطيط وتراكم للخبرات، تؤكد أن الإرادة لا تُغني عن المعرفة، وأن الشجاعة حين تقترن بالعلم تصبح قوة قادرة على تغيير الواقع.
ولكن ما علاقة هذه التجارب التاريخية بحياتنا اليومية؟ العلاقة أعمق مما نتصور؛ فالأمم التي تحتاج إلى شجاعة مراجعة مساراتها، تحتاج أيضًا إلى أفراد يمتلكون شجاعة التفكير، كيف ننتظر من طالب أن يُبدع إذا كان يخشى الخطأ؟ وكيف نطالب المعلم بالتجديد إذا كان يخشى الاعتراف بأن أساليبه تحتاج إلى تطوير؟ وكيف نُطالب أبناءنا بالثقة في أنفسهم ونحن نُربيهم
إن الشجاعة ليست حكرًا على ساحات المعارك؛ إنها شجاعة الطبيب حين يُراجع تشخيصه، والباحث حين يتراجع عن فرضية أثبت الدليل خطأها، والمسؤول المهني حين يُصحح خللًا، والأب حين يعتذر لابنه، والشاب حين يبدأ من جديد بعد إخفاق، إنها القدرة على تقديم الصواب على الكبرياء، والعمل على التبرير، والمسؤولية على الخوف من النقد؛ وليس كل تراجع جبنًا، ولا كل إقدام شجاعة؛ فقد يكون التروي واجبًا، والحذر ضرورة، لكن الخطر يبدأ حين يتحول الخوف إلى فلسفة حياة، وحين يصبح رفض المحاولة مرادفًا للعقل، والاستسلام للواقع دليلًا على النضج.
إن التاريخ لا يُعلمنا أن الشجعان لا يخافون، بل يُعلمنا أنهم لا يسمحون للخوف بأن يكتب مستقبلهم؛ فالأمم تُبنى بالعقول التي تجرؤ على التعلم، والضمائر التي تجرؤ على الاعتراف، والإرادات التي تجرؤ على الإصلاح، وأخطر ما يمكن أن نورثه لأبنائنا ليس قلة الإمكانات، بل الخوف من استخدامها، حتى يأتي جيل يملك أسباب النهوض، لكنه يظن أن البقاء في مكانه هو عين الحكمة.
جميع الآراء المنشورة تعبر فقط عن رأى كاتبها، وليست بالضرورة تعبر عن رأى الموقع